هذا المقال ليس لمن يريد أن يسمع قصيدة جديدة عن حب الوطن، ولا لمن يطرب على النشيد المكرر: ما أجمل الوطن، وما أعظم الفرح، وما أروع اللُحمة الوطنية. كل هذا الكلام صار أسطوانة مشروخة، ولا أحد يزاود علينا في حب الأردن، ولا أحد يحتاج إلى شهادة وطنية لأنه رفض أن يصفق مع الموجة.
خلينا نكون واقعيين، وما نطوش على شبر مي. مشاركة المنتخب الوطني في كأس العالم حدث مهم، واللاعبون يُشكرون على جهدهم وروحهم، لكن تحويل المشاركة إلى (أسطورة وطنية كبرى) هو خداع للناس قبل أن يكون احتفاءً بالمنتخب. لولا قرار الفيفا بتوسيع عدد المنتخبات المشاركة، لما كانت الفرصة بهذه السعة، لا لنا ولا لكثير من الدول التي دخلت من نافذة التوسع. هذه حقيقة لا تنتقص من اللاعبين، لكنها تمنعنا من بناء قصر وهم فوق مشاركة كروية.
المشكلة ليست في المنتخب، فقد ذهب ولعب بما لديه. المشكلة في ماكينة التهويل التي أرادت أن تبيع الناس لحظة خلاص وطني اسمها كرة القدم، والمشكلة الأعمق أن هذه اللحظة كشفت خللاً أكبر في عقل الدولة والمجتمع معاً.
سيقول البعض: هل تريد منا أن نحزن؟ هل صار الفرح ممنوعاً؟ أبداً. افرحوا للمنتخب، وصفقوا للاعبين، واحتفوا بأي لحظة جميلة في بلد أنهكته الأزمات. لكن الفرح شيء، وتحويل الفرح إلى ستار سياسي شيء آخر. الاحتفاء بالمنتخب شيء، واختطاف المزاج العام كله باسم المنتخب شيء آخر.
بيت القصيد ليس في المباراة، بل في ترتيب الأولويات. ما الذي يهم الأردنيين أكثر؟ أن يكون لديهم منتخب يشارك وينافس في كأس العالم، أم أن يكون لديهم تعليم ينافس، وصحة تنافس، وصناعة حقيقية تنافس، وزراعة منتجة تنافس، وسياحة تنافس، وفرص عمل تليق بالشباب؟
ما قيمة أن نملأ المدرج الروماني، ثم يعود الناس إلى بيوتهم ورواتبهم لا تكفيهم؟ ما قيمة أن نهتف للمنتخب، ثم يذهب الشاب في اليوم التالي يبحث عن عمل فلا يجد؟ ما قيمة أن ننافس في مباراة، بينما نحن خارج المنافسة في قطاعات تمس حياة الناس كل يوم؟
الأمر لا يتعلق بالرياضة وحدها، بل بالإرادة. لماذا تظهر الإرادة حين يُراد لقطاع أن ينجح، وتختفي حين يتعلق الأمر بحياة الناس اليومية؟
عندما قررت الدولة، مع بداية العهد الجديد وفي مطلع الألفية، أن تدفع قطاع التكنولوجيا إلى الأمام، وُجدت البيئة، والدعم، واللغة الحديثة، والبصمة الواضحة، وأصبح الأردن لاعباً مهماً في هذا المجال. إذن نحن نستطيع حين نريد، فلماذا لا نريد بالقدر نفسه في الزراعة؟ لماذا لا نريد في الصناعة؟ لماذا يتراجع التعليم؟ لماذا تُرهق الرعاية الصحية؟ لماذا يبقى النقل العام بدائياً؟ هل المشكلة في القدرة، أم في غياب الإصرار حين لا يكون الإنجاز قابلاً للتصوير والتسويق والتصفيق؟
وهذه ليست المرة الأولى، فمنذ نهاية التسعينيات وبداية الألفية تقريباً، كان هناك ميل واضح لصناعة رموز نجاح جديدة: منتخب يظفر بدورة الألعاب العربية، فنانة تحصد لقب سوبر ستار العرب، استضافة المنتدى الاقتصادي العالمي لأول مرة في الأردن، ومناسبات تُعرض على الناس كدليل على أن كل شيء يتقدم. لا مشكلة في النجاح، ولا في صناعة الأمل، لكن المشكلة حين تتحول الدولة إلى ماكينة علاقات عامة تبحث عن صورة ناجحة أكثر مما تبحث عن مشروع وطني عميق. نلمّع الواجهة، بينما الأساسات نفسها تحتاج إلى مراجعة.
الأكثر إيلاماً أن ترى آلافاً مؤلفة تخرج في الخامسة والسادسة صباحاً لتتابع مباراة كرة، بينما لا تجد مئات يخرجون للمطالبة بحقهم في خدمة صحية أفضل، أو مدرسة أفضل، أو نقل عام، أو فرصة عمل، أو محاسبة مقصر. هذه ليست إدانة للناس وحدهم، وليست دعوة للتظاهر أو لخروج الناس، لكنها قراءة مؤلمة لحقيقة أننا كمجتمع لم نعد قادرين حتى على دفع كلفة الموقف. نريد كل شيء أن يأتي بسهولة، على "الطبطاب"، بلا تعب، بلا ثمن. نريد حقوقاً بلا ضغط، وكرامة بلا مواجهة، وإصلاحاً بلا وجع.
وهذا ليس تفصيلاً بسيطاً، فالتاريخ يعلّمنا أن كرة القدم لم تكن دائماً مجرد لعبة بريئة منفصلة عن السياسة. في أكثر من تجربة حول العالم، حاولت أنظمة وحكومات توظيف الانتصارات الرياضية أو البطولات الكبرى لصناعة صورة مبهرة، أو لتخفيف وطأة الأسئلة الصعبة، أو لصرف نظر الناس عن أزمات داخلية عميقة. من إيطاليا موسوليني، إلى مونديال الأرجنتين عام 1978، إلى الحكم العسكري في البرازيل، استُخدم المجد الكروي أحياناً كأفيون جماعي للهروب من الفقر والقمع والاختلالات الكبرى.
ولا أقول ذلك للمقارنة الحرفية بين الأردن وتلك التجارب، بل للتنبيه إلى المعنى نفسه: الخطر يبدأ حين يتحول الفرح الرياضي المشروع إلى ستار سياسي يخفي ما يجب أن يُرى.
حين تصبح المباراة أهم من المديونية والبطالة والفساد والحريات وما يحدث في الضفة الغربية، فنحن لا نعيش فرحاً وطنياً خالصاً، بل نكشف حجم الفراغ الذي جرى توجيه المزاج العام نحوه. وحين تصبح "الطابة" قادرة على ابتلاع الأسئلة الكبرى، فالمشكلة لم تعد في المشاركة في كأس العالم، بل في البلد الذي صار قابلاً لأن يُختصر بلحظة هتاف.
صفقوا للمنتخب وافرحوا كما تشاؤون، لكن لا تصفقوا للوهم. لا تسمحوا لأحد أن يخطف البلد كله "بطابة"، لا تجعلوا من مشاركة المنتخب ستاراً يخفي بلداً متعباً، وشباباً محبطاً، وأسئلة لا يريد أحد أن يجيب عنها.
فالدولة التي تستطيع أن تصنع لحظة رياضية، تستطيع لو أرادت حقاً أن تصنع تعليماً وصحة وصناعة وزراعة ونقلاً وكرامة. وليست المسألة في النهاية عن المنتخب، ولا عن المشاركة في كأس العالم، ولا عن حق الناس في الفرح؛ بل عن الإرادة نفسها: لماذا لا تتحرك إلا عندما يكون الإنجاز صالحاً للتصوير والتسويق والتصفيق؟



