*
الثلاثاء: 02 حزيران 2026
  • 02 حزيران 2026
  • 11:16
ماذا ترك الشارع فينا
الكاتب: عماد داود

كتبتُ هذا بعد أن هدأت الضجة.
فالضجيج يوزع الاتهامات — أما الهدوء فيعيد الأسئلة إلى أصحابها.
وما جرى لا يحتاج إلى خصومة جديدة — بقدر ما يحتاج إلى شجاعة النظر في المرآة.

كنتُ هناك.
رأيتُ الأعلام ترفرف. وسمعتُ الأغاني تصدح. وشاهدتُ الأردنيين يحتفلون بوطن بلغ عامه الثمانين مستقلاً.
كان المشهد جميلاً — بل كان يشبه الصورة التي يحب كل شعب أن يراها عن نفسه.

ثم انتهى الاحتفال.
غادر الناس. وانطفأت الأضواء. وبقي المكان وحيداً مع ما تركناه خلفنا.

أكياس متناثرة. ومخلفات مبعثرة. وزوايا بدت كأن الفرح مر بها مسرعاً ثم نسي أن يلتفت وراءه.

لكنني لم أتوقف عند النفايات.
توقفتُ عند ما هو أثقل منها.
توقفتُ عند سؤال ظل يرافقني بعد انتهاء كل شيء: كيف يستطيع إنسان أن يحتفل بمكان مساءً — ثم يتركه كأنه لا يعنيه صباحاً؟!

قال درويش يوماً: وطني ليس حقيبة.
ولعل أجمل ما في هذه العبارة أنها لا تتحدث عن وطن نقوله — بل عن وطن نفعله.
فالانتماء ليس ما نقوله عن المكان — الانتماء هو ما يتركه المكان فينا، وما نتركه نحن فيه!

ولهذا أتذكر دائماً حديث السفينة.
في السفينة طابقان. أهل الطابق الأعلى يملكون الماء. وأهل الطابق الأسفل يخرقون قاعها.

الماء لا يقرأ الأسماء. ولا يعرف المناصب. ولا يسأل من أحدث الخرق ومن اكتفى بالنظر إليه.
الماء حين يدخل لا يميز بين أحد — إما أن تنجو السفينة بالجميع، أو تغرق بالجميع!

قال النبي: إن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً — وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعاً!
الحكمة لم تكن كلها في الثقب.
كانت في الإحساس المشترك بأن السفينة ليست ملكاً لفريق دون آخر!

خرجت وزارة البيئة بعد الاحتفالات بمنشور تقول فيه:
"استحوا.. حكينا عيب، الشارع مش سلة زبالة.. بدها ذوق"!

المنشور صحيح في مضمونه.
لكنه أشعل جدلاً أكبر من النفايات بكثير.
وانقسم الناس بين مؤيد للأسلوب ومستنكر له.

ووزير الصحة السابق الدكتور الخرابشة انتقد التنمر على الشعب.
وأحزاب سياسية طالبت بخطاب الاحترام.
وسألوا بمرارة:
"أين الحاويات وسلال المهملات في مواقع التنزه والميادين — قبل أن تطلبوا منا المعجزات؟"

إدارة النفايات تكلّف الأردن 230 مليون دينار كل عام.
ألف حملة نظافة. 42 ألف متطوع. 53 ألف مخالفة. 300 كاميرا ذكية.
والغرامات تبدأ من 20 ديناراً وتصل إلى 500 دينار.

هذه ليست أرقام نظافة — هذه أرقام أزمة ثقة!

نحن منذ سنوات نختلف حول النتائج.
نستنكر المشهد. ونطالب بالعقوبة. ونعيد إنتاج الغضب نفسه.
ثم نعود، بعد كل مناسبة، إلى النقطة ذاتها.
كأننا نطارد الدخان ونترك النار!

وحين يتحول النقاش إلى اتهام جماعي تحدث مفارقة مؤلمة:
يصبح البريء متهماً بحكم الإعلان — ويختبئ المذنب داخل الزحام!

من الذي علّم هذا المواطن أن الشارع والحديقة والميدان ليست له؟

الطفل الذي يكبر ويرى الرصيف مكسوراً منذ طفولته — يتعلم أن لا أحد يعتني.
والشاب الذي يطلب خدمة ويُحال من باب إلى باب — يتعلم أن الدولة غائبة.
والمواطن الذي يدفع ضرائبه ولا يرى ما يقابلها — يتعلم أن العقد مفكوك.

حين يتفكك العقد الاجتماعي — تصبح النفاية في الشارع أهون أعراضه!

لم يبدأ الخرق في قاع السفينة.
بدأ حين توقف أهل الطابق الأعلى عن الإحساس بأن الماء مشترك!

الكاميرات لا تبني ضميراً.
والغرامات لا تزرع انتماء.
والمنشورات التوبيخية لا تعيد وصل ما انقطع.

وبما أننا في أجواء الحاويات والصناديق — دعنا نفكر خارجها للمرة الأولى!

ماذا لو رأى المواطن فاتورة النفايات مكتوبة على إيصال الكهرباء — يعرف كم يكلّفه إهمال جاره؟
ماذا لو تحوّلت كل مخالفة بيئية إلى رصيد مدرسي — يحصل ابن المُبلِّغ على منحة لا غرامة؟
ماذا لو نُشرت خريطة تفاعلية حية تُظهر أقذر عشر مناطق أسبوعياً — فيكون العار العام أقوى من أي كاميرا؟

العار العام أقوى من 300 كاميرا — لأنه يسكن الضمير لا الشارع فقط!

الذي يشعر أن الشارع امتداد لبيته ينظر إليه بعين مختلفة.
والذي يرى في الحديقة جزءاً من ذاكرته اليومية يغادرها بصورة مختلفة.

حين يشعر الإنسان أنه صاحب المكان — لا يخرق قاعه. لأن أحداً لا يقذر بيته بيده!

والسبب لا يُصنع بمنشورات.
يُصنع بعدل. وبكرامة. وبأن يرى المواطن أن ما يعطيه يعود إليه!

الانتماء لا يُقاس بعدد الأعلام المرفوعة.
ولا بعدد الأغاني التي نرددها في المناسبات.
الانتماء يُقاس بما نفعله بعد انتهاء الاحتفال — حين يغادر الجميع ولا يبقى في المكان إلا أثرنا!

ولهذا، كلما رأيتُ مشهداً كهذا، لم أسأل: ماذا تركنا في الشارع؟

سألتُ: ماذا ترك الشارع فينا؟!

ففي الجواب عن هذا السؤال — يكمن أكثر مما نظن عن علاقتنا بالأماكن، وبأنفسنا، وبالوطن الذي نحتفل به يوماً، ثم نمتحن صدق احتفالنا به في اليوم التالي!
عماد داود
[email protected]

 

مواضيع قد تعجبك