*
الاثنين: 01 حزيران 2026
  • 01 حزيران 2026
  • 16:42
الأردن دولة راسخة والخريطة ليست مادة للسخرية
الكاتب: د. بثينة محادين

التصريحات التي صدرت عن الدكتور جواد العناني، وما رافقها من ضحكة وتعليق ساخر على شكل خريطة الأردن، ليست مجرد زلة لسان عابرة، بل انزلاق خطير في التعامل مع رمزية الدولة وحدودها وتاريخها. ان تحويل الخريطة إلى مادة تهكمية أو توصيف ساخر لا يدخل في إطار “النقد” كما يُراد تسويقه، بل هو تبسيط مُخلّ يلامس حدود الاستخفاف بدولة قائمة بتاريخها وواقعها السياسي.
الأردن ليس “دولة فصل” كما يُراد ترديد هذا التوصيف بطريقة سطحية، ولا هو مساحة جغرافية عُرفت بالصدفة أو تشكلت بلا سياق. هذا الكيان السياسي نشأ في قلب واحدة من أعقد مراحل تاريخ المنطقة بعد انهيار الدولة العثمانية، وتكوّن عبر مسار طويل من التأسيس السياسي والإداري، حتى أصبح دولة ذات مؤسسات مستقرة، وشرعية تاريخية، ودور إقليمي لا يمكن إنكاره أو اختزاله.
إن محاولة تصوير الأردن وكأنه مجرد نقطة تفصل بين جغرافيات أخرى، أو الإيحاء بأن شكله الجغرافي مادة للتندر، هو تجاهل متعمد لطبيعة الدول الحديثة التي لا تُقاس بهندسة حدودها، بل بقدرتها على الاستمرار، وبناء الاستقرار، وصياغة دور سياسي متوازن في محيط شديد الاضطراب. الأردن لم يكن يوماً فراغاً بين الآخرين، بل فاعلاً سياسياً حافظ على توازنه ودوره في أصعب الظروف التي مرت بها المنطقة.
والأخطر في هذا النوع من الخطاب أنه لا يبقى محصوراً في سياق “مزحة إعلامية”، بل يتحول إلى مادة قابلة للتداول تُنتج وعياً مشوهاً عن الدول، وتفتح الباب أمام تقليل قيمة الكيانات السياسية تحت غطاء السخرية أو الطرافة. الدول لا تُختزل في شكل خطوط على الخريطة، ولا تُقاس بخفة تعليق أو انطباع لحظي أمام الكاميرا.
الأردن، بتاريخه الحديث، وبنيته السياسية، وبما راكمه من استقرار في محيط متقلب، ليس موضوعاً للتهكم ولا لتوصيفات عابرة. هو دولة قائمة على إرث من التأسيس والتضحيات وإدارة التوازنات الدقيقة في الإقليم. وخريطته ليست مادة للنكتة، بل انعكاس لمسار تاريخي معقد لا يجوز اختزاله أو الاستهانة به.
إن احترام الدول يبدأ من احترام رمزها الجغرافي والسياسي. وما قيل لا يمكن تبريره كـ“تعبير عفوي” ، لأنه يمس جوهر الفهم السياسي للدولة، ويعيد إنتاج خطاب تبسيطي لا يليق بالنقاش العام ولا بتاريخ الدول.
الأردن ليس هامشاً، وليس دولة فصل، وليس خريطة ساخرة. هو دولة كاملة السيادة، واضحة الهوية، عميقة الجذور، ولا تحتاج إلى تبرير وجودها أمام أي توصيف عابر أو تعليق غير محسوب.

مواضيع قد تعجبك