*
السبت: 30 أيار 2026
  • 30 أيار 2026
  • 11:49
عمّان بانتظار خطة المدينة
الكاتب: د. مراد الكلالدة

أما وقد صدر نظام التخطيط والتنظيم داخل حدود أمانة عمّان رقم (81) لسنة 2025، فقد أصبح لزاماً على لجنة أمانة عمّان الكبرى البدء بتنفيذ النظام، الذي مضى على صدوره أكثر من نصف عام، والصادر بموجب قانون أمانة عمّان رقم (18) لسنة 2021. فهذا القانون تحرر من قيود قانون تنظيم المدن والقرى والأبنية لسنة 1966 وتعديلاته، مستعيضاً عن هرمية التخطيط الإقليمي–الهيكلي–التفصيلي بثلاث طبقات تخطيطية على مستوى المدينة، عرّفها النظام بالمخططات التنظيمية، وهي الوثائق والرسومات التي تصدرها الأمانة وتحدد بموجبها أحكام التنظيم الصادرة عنها، والمنصوص عليها في الفقرة (أ) من المادة (17) من النظام.
وقد خولت المادة (6) تشكيل لجنة تسمى "لجنة التخطيط المركزية"، برئاسة الأمين، تتولى مهام واسعة، منها مراجعة خطة المدينة وخطة المنطقة وخطة الحي لغايات اعتمادها وإقرارها حسب الأصول، وإصدار القرارات وفق الإجراءات الواردة في النظام والتعليمات والملاحق الصادرة بمقتضاه. وتبدو صلاحيات هذه اللجنة واسعة، إذ تغطي إلى حد كبير الصلاحيات التي كان يضطلع بها مجلس التنظيم الأعلى بموجب قانون التنظيم، فيما تمارس مديرية التخطيط في الأمانة مهام المرجع المختص الذي يعد الخطط الرسمية بثلاثة مستويات: خطة المدينة، وخطة المنطقة، وخطة الحي.
لقد سعت أمانة عمّان الكبرى إلى الوصول إلى الاستقلالية التنظيمية، وقد حصلت عليها بمثابرة أمينها ورئيس لجنتها الحالي الدكتور يوسف الشواربة، ذي الخلفية القانونية التي ساعدته في الوصول إلى السند التشريعي الذي يطلق يد مجلس الأمانة ومديرياتها في التنظيم. ويبقى الدور الأهم الآن هو وضع ما ورد في القانون والأنظمة موضع التنفيذ.
الخطوة الأولى هي إعداد خطة المدينة حتى عام 2050، والتي من المتوقع أن تكون، من حيث شموليتها، على غرار الخطة التنموية الشاملة لسنة 1987، التي هدفت إلى ربط النسيج الحضري لعمّان الكبرى ضمن دراسة متكاملة تشمل الجوانب الطبيعية والبشرية والاقتصادية والاجتماعية والمرافق الرئيسية والبنية التحتية والأنظمة الإدارية. ومن حسن حظ الأمانة أن الدولة، ممثلة بدائرة الإحصاءات العامة، قد شرعت بالتعداد العشري للسكان والمساكن 2026، مما يضع بين يدي فريق إعداد خطة المدينة أرقاماً حديثة تساعد في بناء خطة واقعية ودقيقة.
وخطة المدينة، كما عرّفها نظام التخطيط والتنظيم بالمستوى الأول، تغطي كامل الأراضي الواقعة داخل حدود الأمانة، وهي بذلك تتجاوز ما عُرف سابقاً بالأراضي داخل أو خارج حدود التنظيم. وهذا انتقال ذكي ومحمود في التشريع والممارسة، لأنه يجعل التنظيم يغطي كامل حدود أمانة عمّان الكبرى، التي تصل مساحتها إلى نحو 800 كيلومتر مربع، في حين أن المنظم منها حالياً لا يتجاوز نصفها تقريباً.
وقد حددت المادة (9)، البند (ج)، ما يجب أن تتضمنه خطة المدينة من محاور رئيسية تتفرع عنها عناصر عديدة لا مجال لذكرها بالتفصيل هنا. إلا أنه لا بد من الإشارة إلى أنها تشمل، في شقها الأول، سياسات مرتبطة بالتخطيط الحضري والسياسات القطاعية وخطط العمل المحلية والإقليمية والوطنية ذات العلاقة، على أن تكون مرتبطة بمبادرات وبرامج ومشاريع استراتيجية قابلة للقياس بمؤشرات أداء وضمن تسلسل زمني واضح.
أما في شقها الثاني، فتتضمن الخطة مخططات ورسومات توضيحية تبين الحدود الجغرافية لنطاق الخطة، والعناصر المكانية الرئيسية، ومراكز النمو الحالية والمستقبلية، واستعمالات الأراضي المستقبلية، والمساحات الحساسة طبيعياً أو بيئياً أو ثقافياً أو تاريخياً أو زراعياً، والمناطق المعرضة للمخاطر الطبيعية أو المناخية أو التي من صنع الإنسان، إضافة إلى محاور النقل والتنقل الرئيسية الحالية والمستقبلية، وتصور واضح لمواقع وشكل النمو العمراني والنمط الحضري والمعماري للمباني، وأنظمة البنية التحتية اللازمة لتنفيذ الخطة، وحدود النمو الحضري، والمناطق الواقعة خارج حدود النمو وخارج التنظيم، وضوابط التطوير فيها.
إن قانون أمانة عمّان ونظام التخطيط والتنظيم الجديد يضعان الأمانة أمام مسؤولية كبيرة جداً، ولا سيما بعد تصريح معالي رئيس لجنة أمانة عمّان في منتدى تواصل 2026 بأن "غياب التخطيط هو سبب نقص المواقف الخاصة بالمركبات"، وتأكيده أنه لا توجد مدينة في العالم خالية من الازدحامات، معتبراً أن الأزمة ضريبة العيش في المدينة. والحقيقة أن عمّان أصبحت مهددة بتباطؤ الحركة فيها، إن لم يكن توقفها في بعض المواقع، نتيجة الزيادة الكبيرة في عدد المركبات الخاصة، في ظل غياب منظومة نقل عام فاعلة، وهي من مسؤوليات الأمانة بموجب قانونها.
إن إعداد الخطط التي ذكرها النظام هو من مسؤولية مجلس الأمانة ومدير المدينة وكوادرها الفنية والإدارية، غير أن الاستعانة بشركات استشارية عالمية، كما حصل في الخطة التنموية الشاملة لعام 1987 ومخطط عمّان الشمولي لعام 2007، أمر ضروري، شريطة أن يتم ذلك وفق شروط مرجعية مضبوطة تركز على محورين رئيسيين: السياسات التخطيطية، والخرائط المكانية القادرة على استيعاب هذه السياسات وتحويلها إلى أدوات تنفيذية.
خطة المدينة المنتظرة ستشكل الانطلاقة لإعداد خطط المناطق الاثنتين والعشرين في عمّان، والتي ستعيد للشوارع تراتبيتها، وللأراضي استعمالاتها، ثم تنزل إلى مستوى خطة الحي في كل منطقة. عندها فقط يمكن أن تعود الأرصفة المختطفة إلى المواطنين، وأن تتوافر للأطفال ملاعب، ولكبار السن حدائق، وللناس عامة مرافق صحية وتعليمية ودور عبادة ضمن مدى المشي الصحي، أي في نطاق مدينة الخمس عشرة دقيقة.
 

مواضيع قد تعجبك