*
الاثنين: 25 أيار 2026
  • 25 أيار 2026
  • 11:14
الاستقلال الأردني سرديّة بقاء وطن لم تبتلعه الفوضى
الكاتب: أماني أبو العنين

ليس الاستقلالُ في الأردن حدثًا سياسيًا عابرًا، ولا ذكرى وطنية تُستعاد كلَّ عام بخطاباتٍ محفوظة وأناشيد متكرّرة؛ إنّما هو سرديّةُ وطنٍ استطاع منذ تأسيس دولته الحديثة، أن يكتب وجوده بعناية وسط جغرافيا مضطربة، وأن يصوغ هويته بهدوءٍ في منطقةٍ اعتادت الصخب والانهيار.

وفي عالمٍ عربيٍّ أثقلته الانقسامات والحروب، لم يكن بقاء الأردن واستمراره أمرًا عاديًا أو نتيجةَ مصادفةٍ تاريخية، بل كان ثمرةَ وعيٍ سياسيٍّ عميق، وصبرٍ اجتماعيٍّ طويل، وإيمانٍ راسخٍ بأنّ الأوطان لا تُبنى بالشعارات العابرة، وإنما تُبنى بالعقل الذي يعرف كيف يحمي الإنسان، ويحفظ كرامته، ويصون فكرة الدولة من التآكل وسط العواصف.

ومن هنا، فإنّ فرادة التجربة الأردنية لا تكمن في مجرّد نيل الاستقلال عام 1946، بل في الكيفية التي استطاع بها الأردن أن يحافظ على هذا الاستقلال ويُرسّخه طوال عقودٍ متلاحقة، في منطقةٍ شهدت سقوط أنظمةٍ وتبدّل خرائطَ وانهيار دولٍ كانت تبدو أكثر قوّةً وثروةً ونفوذًا.

لقد أدرك الأردن مبكرًا أنّ بقاء الدول لا يتحقق بفائض القوّة وحده، وإنما بقدرتها على إدارة التوازنات بحكمة؛ ولذلك قامت فلسفة الدولة الأردنية على معادلةٍ دقيقة تجمع بين الأصالة والتحديث، وبين الثبات والانفتاح، وبين حماية الهوية الوطنية ومواكبة التحوّلات الإقليمية والدولية. ولهذا؛ لم يكن الأردن يومًا بلد الانفعالات السياسية، بل بلد الحكمة التي تعرف كيف تعبر الأزمات بأقلّ الخسائر وأقصى درجات الاتزان.

وفي قلب هذه السردية الوطنية يقف الإنسان الأردني بوصفه الركيزة الأهمّ في بناء الدولة واستمرارها؛ إذ تعلّم الأردني، منذ البدايات، أنّ الوطن ليس نشيدًا يُردَّد فحسب، بل مسؤوليةٌ تُمارَس يوميًا في العمل، والتعليم، والانتماء، واحترام القانون، وصون صورة الوطن من التصدّع. ولذلك، لم تكن معركة الأردن منذ الاستقلال معركة حدودٍ وسيادةٍ فقط، إنّما كانت أيضًا معركة وعيٍ وبناءٍ إنسانيٍّ عميق، راهنت فيها الدولة على الإنسان بوصفه المورد الأثمن والأكثر استدامة.

ومن اللافت أنّ الأردن استطاع، رغم محدودية موارده الطبيعية، أن يُنتج فائضًا في الكفاءات البشرية، حتى غدا العقل الأردني موردًا وطنيًا عابرًا للحدود. ولم يكن الحضور البارز للطبيب والمهندس والأكاديمي الأردني في مختلف أنحاء العالم العربي مجرّد صدفة، بل نتيجةً طبيعية لفلسفة دولةٍ آمنت بأنّ الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان وينتهي إليه.

كما تميّز الأردن بإدراكه المبكر أنّ أخطر ما قد تواجهه الدول لا يقتصر على التهديدات الخارجية، بل يمتد إلى احتمالات تآكل الداخل؛ من تراجع الثقة، وضعف الهوية الوطنية، واهتزاز العلاقة بين المواطن والدولة. ومن هنا، كان الرّهان الأردني الدائم على بناء شعورٍ جمعيٍّ بالأمان والانتماء، انطلاقًا من فهمٍ عميقٍ بأنّ الدولة ليست مؤسساتٍ وأجهزةً فحسب، بل هي أيضًا إحساسٌ إنسانيٌّ بالكرامة والاستقرار والثقة.

ولذلك، ظلّ مفهوم الأمن في الأردن يتجاوز المعنى التقليدي المرتبط بغياب الفوضى؛ ليصبح حالةً من الطمأنينة العامة التي يشعر فيها الإنسان بأنّ الدولة تحميه وتحفظ كرامته. فثمّة فرقٌ جوهري بين دولةٍ تمنع الفوضى بالقوّة، ودولةٍ تحدّ منها عبر بناء العلاقة بين المواطن وفكرة الوطن ذاتها.

أمّا على المستوى الاجتماعي، فقد استطاع الأردن أن يقدّم نموذجًا متماسكًا في بناء الهوية الوطنية الجامعة داخل مجتمعٍ متنوّع، وأن يرسّخ روح الأخوّة والتكافل بين أبنائه على اختلاف أصولهم ومناطقهم وانتماءاتهم الاجتماعية؛ الأمر الذي أسهم في تعزيز الوحدة الوطنية، وترسيخ مفهوم المواطنة بوصفه إطارًا جامعًا للجميع.

وفي السياق ذاته، تتجلّى قوة الأردن في تراثه العريق وهويته الثقافية المتجذّرة الممتدة من البادية إلى القرى والمدن؛ فالأردن يحمل إرثًا حضاريًا وإنسانيًا عظيمًا تتبدّى ملامحه في العادات الأصيلة، من الكرم الأردني، والقهوة العربية، والدبكة، والثوب التراثي، والشعر النبطي، إلى قيم الشهامة والتكافل التي بقيت راسخة رغم تحوّلات الزمن وتسارع الحداثة.

ولا يمكن الحديث عن هوية الأردن دون التوقّف عند شواهده الحضارية الخالدة التي جعلت منه واحدًا من أبرز المراكز التاريخية في المنطقة والعالم؛ فمن البتراء الوردية، إحدى عجائب الدنيا السبع، إلى جرش بأعمدتها الرومانية الشامخة، ومن قلعة الكرك وعجلون إلى أم قيس ووادي رم والبحر الميت، يقف الأردن شاهدًا على تعاقب الحضارات وعمق الامتداد التاريخي والثقافي لهذه الأرض.

ولعلّ ما يميّز التجربة الأردنية أيضًا أنّ لغتها السياسية ظلّت -على امتداد العقود- ابنةً لهذا الوعي المتزن؛ لغةً هادئة الإيقاع، متجنّبةً فائض الصخب والانفعال، لأنّ الدول التي تُفرط في الخطاب العاطفي غالبًا ما تدفع ثمن ذلك على أرض الواقع. ومن هنا، بدا الأردن صوتَ اعتدالٍ وحكمةٍ في محيطٍ مضطرب، يحافظ على استقلال قراره السياسي وهيبة دولته، ويُقدّم نموذجًا لدولةٍ تُدير التوازنات بعقلانية لا بردود الفعل المتسرّع.

وهنا تبرز المفارقة الكبرى التي تستحق التأمل: لماذا استطاعت الدولة الأردنية الهاشمية أن تحافظ على تماسكها، بينما انهارت مشاريع أكثر ثراءً وضجيجًا؟ وكيف بقي الأردن، رغم قسوة الجغرافيا وتعقيدات السياسة، محافظًا على استقراره وهيبة مؤسساته وثقة شعبه؟

ومن هنا، لا يمكن قراءة الاستقلال الأردني بوصفه حدثًا تاريخيًا انتهى في منتصف القرن العشرين، بل بوصفه مشروعًا مستمرًا في إدارة المعنى وصياغة الهوية الوطنية. فالأردن لم ينجُ لأنه الأكثر صخبًا أو استعراضًا للقوة، وإنما لأنه أدرك مبكرًا أنّ البقاء للأكثر وعيًا واتزانًا وقدرةً على حماية الإنسان والدولة معًا.

ولذلك، فإنّ عيد الاستقلال لا يمثّل مناسبةً للاحتفال فحسب، بل فرصةً للتأمل في تجربة وطنٍ استطاع أن يحوّل الاعتدال إلى مصدر قوّة، والوعي إلى استراتيجية بقاء، والإنسان إلى أعظم موارده الوطنية.

وقد عبّر الشعراء عن هذه المكانة الوجدانية للأردن في وجدان أبنائه، ومن أجمل ما قيل فيه قول الشاعر سعيد عقل: "أُردُنُّ أرضُ العزمِ أغنيةُ الظُّبى ***** نبتِ السيوفِ وحدُّ سيفِك ما نبا"

وهنا، أقول بوصفي ابنة هذا الوطن: إنّ الأردن لم يكن يومًا مجرّد مكانٍ للإقامة، بل ظلّ دائمًا حالةً راسخةً من الطمأنينة والانتماء تستقرّ في الوجدان قبل الأرض. وما تحقق على هذه الأرض من أمنٍ واستقرارٍ وإنجازاتٍ لم يكن وليد المصادفة، بل ثمرةَ قيادةٍ حكيمة وشعبٍ وفيّ أدرك معنى الوطن الحقيقي، وتمسّك بهوية الأردن وثوابته في مختلف الظروف والتحديات.

لذلك، فإنّ مسؤولية الحفاظ على هذه السردية الوطنية لا تقع على عاتق الدولة وحدها، بل هي أمانةٌ يتحمّلها كلّ أردنيٍّ يؤمن بأنّ الأوطان لا تُصان بالسلاح وحده، وإنما تُصان أيضًا بالكلمة الصادقة، والفكر المسؤول، والعمل المخلص، وبقدرة النُّخب الثقافية والفكرية على تعزيز الانتماء، وترسيخ الثقة بالدولة، وصون الهوية الوطنية من كلّ ما يحاول النيل منها أو التشكيك بثوابتها.

فالدول لا تنهار دائمًا بسبب الفقر أو الحروب وحدها، فقد تنهار نتيجة عجزها عن ترسيخ شعورٍ جمعيّ بالانتماء. وإنّ أخطر ما يهدد الأوطان هو شعور الإنسان بأنّه يعيش (في الدولة) لا (لأجل الدولة).

وبالتالي، فإنّ الاحتفاء بعيد الاستقلال، يجب أن يتحوّل إلى ممارسةٍ شعبية للانتماء والوعي الوطني. وكلُّ عامٍ والأردنُ يبقى حرًا عزيزًا؛ كي يُثبت في كلّ مرة أنّ الأوطان تنجو بقدرتها على فهم الإنسان، وإدارة الخوف، وصناعة المعنى وسط الفوضى.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: كيف استطاع الأردن طيلة هذه العقود أن يحافظ على تماسكه وهيبتِه، بينما سقطت دولٌ كانت تبدو أكثر ثراءً وقوّةً ونفوذًا؟

أكان السرّ في حكمة القيادة؟ أم في وعي الشعب؟ أم في تلك العلاقة النادرة بين الإنسان والدولة بين الأردني ووطنه؟ فالميزة الحقيقية في أن يبقى الوطنُ وسط العواصف محتفظًا بعقله، وهويته، وثقة شعبه، بينما كانت خرائطُ كاملةٌ حوله تتداعى.

 

بقلم الباحثة الأردنية في اللُّغة والأدب:

أماني أبو العنين

مواضيع قد تعجبك