تمرُّ بالأوطان محطاتٌ مفصلية لا تُقاس بعدد السنين، بل بحجم الإنجاز وعمق الأثر، واليوم والأردن يرتدي حُلة اليوبيل الثمانيني لاستقلاله، يقف الوطن شامخاً على عتبة ثمانية عقود من السيادة والكرامة، وهي العقود التي لم تكن مجرد أرقام في رزنامة الزمن، بل كانت فصولاً في السردية الأردنية الفريدة التي كُتبت تضاريسها بعرق البُناة ودماء الشهداء، وصيغت هويتها في محبرة الحكمة الهاشمية وشجاعة الإنسان الأردني.
حين نال الأردن استقلاله عام ألف وتسعمائة وستة وأربعين، كانت الرهانات الإقليمية والدولية تحيط به من كل جانب، وتتنبأ لدولة ناشئة وسط جغرافيا ملتهبة وموارد شحيحة بمستقبل غامض، لكن السردية الأردنية جاءت لتكسر كل القوالب الجاهزة، فنشأت معادلة أردنية خاصة عنوانها تحويل التحديات إلى فرص، واستبدال قلة الموارد بوفراء العقول والانتماء، حيث لم يكن الاستقلال في العرف الأردني مجرد وثيقة تُوقع أو جلاء لجيش أجنبي، بل كان إعلان ولادة لنهج سياسي واجتماعي يعتمد على ذاته ويصون كرامة الإنسان، ومن الملك المؤسس عبد الله الأول، مروراً بـ باني النهضة الملك الحسين بن طلال، وصولاً إلى حامل الأمانة ومنبر التحديث الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، كانت السردية تتطور وتترسخ كنموذج للدولة العصرية التي تجمع بين أصالة الموروث ومعاصرة المستقبل.
إن ما يميز السردية الأردنية في مئويتها الثانية وعامها الثمانين من الاستقلال، هو الثبات الأخلاقي والسياسي في زمن السياسات المتلونة، فالأردن لم يفرط يوماً بهويته العروبية، وظلت القوى الحية في الدولة، بقيادتها وجيشها العربي المصطفوي وشعبها الواعي، جدار الصد الأول عن قضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والوصاية الهاشمية التاريخية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وقد أثبتت العقود الثمانية الماضية أن الأردن يمثل ملاذاً للأحرار ومنارة للاستقرار في محيط متلاطم، حيث بقي الواحة الآمنة والبيت المفتوح لكل مستجير دون أن يختل توازنه الداخلي أو تتزعزع جبهته الوطنية، مثلما شكل نموذجاً لدولة المؤسسات والقانون وواحة للتنمية والتعليم وبناء الإنسان الذي بات المصدر الأول للطاقة البشرية المؤهلة في المنطقة، واليوم يدخل الأردن عقده الثامن بمسارات تحديث ثلاثية الأبعاد سياسياً واقتصادياً وإدارياً، تقودها الرؤية الملكية السامية لتمكين الشباب والمرأة وصياغة مستقبل يليق بطموحات الأردنيين جميعاً.
ولا يمكن قراءة السردية الأردنية بمعزل عن الجيش العربي، رفاق السلاح الأشاوس في القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، الذين كحلوا مآقيهم بتراب الوطن، وسطروا بدمائهم معارك الشرف والبطولة على أسوار القدس وفي تلال اللطرون وباب الواد، وصنعوا يوم الكرامة الخالد، ليشكلوا الضمانة الحقيقية لاستمرار هذا الاستقلال حياً، نابضاً، ومحصناً ضد كل المؤامرات والتحرشات الإقليمية.
في عيد الاستقلال الثمانين، لا نحتفل بالماضي فحسب، بل نجدد العهد للمستقبل، إن السردية الأردنية اليوم هي رسالة ثقة وإصرار، ثقة بمؤسساتنا، وإصرار على مواصلة مسيرة البناء خلف قيادتنا الهاشمية الحكيمة، يعضدها وعي شعبي عزّ نظيره، وجبهة داخلية تزداد تماسكاً كلما اشتدت الخطوب، فثمانون عاماً والأردن يثبت للعالم أن الكبار لا يُقاسون بالمساحات بل بعظم الإرادة، ومضاء العزيمة، ونقاء الرسالة، حفظ الله الأردن، وعاش استقلاله حراً مجيداً، ورايته خفاقة في علياء المجد.



