*
الاحد: 24 أيار 2026
  • 24 أيار 2026
  • 18:21
هذا الترابُ لا يركع  في الذكرى الثمانين لاستقلال الأردن
الكاتب: عماد داود

خبرني  - في هذا الشرق الذي سقطت فيه دول كاملة بين خطابين، وتحولت فيه عواصم إلى نشرات عاجلة على شاشات الأخبار — بقي الأردن واقفاً!

والدولة كانت تعرف ماذا تفعل.

 

الاستقلال الأردني لم يكن يوماً منحة بريطانية وُقِّعت على عجل عام ١٩٤٦.

كان انتزاعاً جينياً لوطن أراد له الكبار في جغرافيا "الشرق اللعين" أن يكون مصدَّ صدمات — يتلقى الشظايا ويموت بصمت.

التراب الأردني كان له رأي آخر!

وما زرع التراب رأياً إلا وأنبتت ثورة صامتة لا تعرف الاستئذان.

 

قالوا عنها "دولة مؤقتة".

بلا نفط ولا ماء، ستذوب في أول صيف إقليمي ملتهب.

وقد التهب كل شيء من حوله.

تبخرت عواصم كانت ملء السمع والبصر. تهاوت دول كانت تضحك من صغر حجمنا. واحترقت مشاريع كان أصحابها يظنون أنفسهم رواسي لا تتزعزع.

هذا الكيان يغلي كبكرج شاي على جمر الصبر في بواديه وقراه ومخيماته — حاملاً فائضاً في الكرامة يعوض به جفاف الجيوب وشح الموارد — وما زال صامداً!

 

لا شيء في الأردن حدث بالصدفة.

لا الاعتدال. ولا التماسك. ولا بقاء المؤسسات. ولا بقاء العلم مرتفعاً فوق هذا الركام العربي الهائل!

الأردن لم يكن دولة مدللة جغرافياً. كان دائماً يقف في منتصف الزلزال — ويُدير أعصابه ببرودة دولة تعرف أن الانفعال قد يقتل وطناً كاملاً!

 

السيادة هنا لم تُصنع في ردهات الفنادق.

عُمِّدت بالدم الساخن فوق أسوار القدس عام ١٩٤٨، حين وقف الجندي الأردني بجسده أمام من ظن أن المدينة المقدسة بلا حارس.

وتكرست بالحديد والنار في غور الكرامة عام ١٩٦٨، حين أراد العدو أن يعلِّم المنطقة كلها درساً في الاستسلام — فتلقى درساً لم يكن في حساباته عن معنى أن يكون لك جيش يعرف أن الكرامة خط لا يُتجاوز!

الكرامة ليست نهراً. الكرامة معركة اختارت اسمها بنفسها.

ليفهم السماسرة والمارقون ومن يحيك في الظلام: هذه الهوية ليست معروضة للبيع في سوق المساعدات الدولية!

 

اليوم الحرب غيَّرت وجهها.

على الحدود الشمالية والشرقية يقف جنود الجيش العربي — خيرة ما أنجبته هذه المنطقة — بصدورهم العارية أمام طوفان السلاح والمخدرات وحروب الميليشيات العابرة للحدود.

وراءها مشاريع تصفية كبرى تريد أن تمر على حسابنا.

هؤلاء لا يحتاجون مديح العواصم ولا تصفيق المنابر.

يحتاجون أن يعرف كل أردني أن ما يفعلونه على تلك الحدود هو الاستقلال الحقيقي — الاستقلال الذي لا يُحرس بالدم يصبح وثيقة في متحف!

 

رجلٌ يحمل بلداً بيدين — وكل من حوله يحمل مصالحه بألف يد.

هذا ما يفعله الملك عبدالله الثاني في زمن باتت فيه القيادة الحقيقية أن تصمد حين ينهار الجميع، وأن تعقل حين تنتشي العواصم بالعاطفة.

وأن يقول للعالم كله: كلا للتوطين، كلا للتهجير، كلا للوطن البديل — حين كانت هذه الكلا وحدها ثمن الكرامة!

الدول لا تسقط فقط بسبب أعدائها — تسقط أحياناً بسبب غرورها السياسي وتوهمها أن الصراخ يصنع قوة.

الأردن لم يقع في هذا الفخ.

حافظ على لغته الهادئة وبنى معادلاته بصمت بينما كانت المنطقة تعيد تدوير الخراب — والدولة التي ترفع صوتها أكثر من اللازم تكون غالباً خائفة في الداخل!

 

الاستقلال الحقيقي معركة وعي طاحنة.

هو الاعتراف الشجاع بأن حماية السيادة الخارجية تبدأ من تمتين الجبهة الداخلية، ومحاربة السخام السياسي، وإعادة بناء الثقة مع ناس ملّوا الوعود التجميلية وباتوا يريدون وعوداً تشغيلية!

هذا الشعب لم يُصنَع في مختبر. جمعته الأرض قبل أن تجمعه الدولة — بدوي وفلسطيني وشركسي وشامي وحجازي — وحين تقول "أردني" يعرف الجميع ما تعني. لأن الهوية هنا لم تُفرض. نبتت.

طبيب أردني يدير مستشفيات العالم، وضابط أردني يُدرِّب جيوشاً في أصقاع الأرض، ومهندس أردني يبني في دبي ما لا تبنيه دبي لنفسها — كلهم حملوا شيئاً واحداً صنعه الأردن فيهم: الكفاءة بلا غرور، والانتماء بلا ضجيج!

 

في الثمانين يحق لهذه الراية أن تتكبر.

أن تكون هنا بعد كل هذا — في هذا الجوار وهذا الزمان — شهادةٌ لا يكتبها التاريخ إلا لمن يستحقها.

 

 

ثمانون عاماً من الوقوف في وجه كل شيء — وما زال التراب هنا.

والتراب الذي صمد هكذا لا يُباع.

يُورَّث.

 

٨٠ عام… والتراب بخير!

 

مواضيع قد تعجبك