منذ بداية العام، وجرائم القتل في تزايد مقلق، فحسب التقرير الإحصائي الجنائي السنوي الصادر عن إدارة المعلومات الجنائية في مديرية الأمن العام لعام 2025، فقد انخفضت جرائم القتل العمد بنسبة 21.15% مقارنة بعام 2024، إلا أن تكرار وقوع جرائم القتل المروعة والتي أرّقت مضجع الأمان في أردننا الحبيب خلال عام 2026 يفرض البحث في أسبابها كافة.
وكأن القتل أصبح حلاً لكثير من المشاكل الأسرية أو المجتمعية، وأسلوب انتقام يستخدمه أحد الوالدين ضد الآخر بغية النكاية، أو صديق ضد صديقه، أو حاسد ضد شخص ينعم بحياة تفوق حياته رفاهية وهدوءًا!
ناهيك أن لجوء بعض المجرمين لارتكاب جريمتهم قد يكون مرتبطًا في بعض الحالات باضطرابات نفسية يعانون منها، حوّلهم إلى قنابل بشرية؛ لأنه "من العيب" التوجه لطبيب نفسي خوفًا من أن يتم وصف الشخص بالمريض النفسي؛ هذا أولًا، والتبرير العقلي الأولي الذي نلجأ له لا شعوريًا لتستوعب عقولنا أنه لا بشر سويّ تسول له نفسه ارتكاب مثل هذه الجريمة أبدًا؛ ثانيًا.
الأنكى من هذا هو انخفاض "العتبة النفسية" لتحمل الضغوط، مما جعل المشاجرات البسيطة في الأسرة أو الشوارع تتطور سريعًا إلى جرائم قتل.
ناهيك عن التوسع في الانفتاح على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي ساهمت في تحويل المنزل إلى بيئة تشجع على الانعزال الأسري، فيفتقر بالتدريج إلى أسس الحوار والتوجيه والإرشاد.
أما عن الأسباب الاقتصادية والتي أدت إلى التضخم وتآكل الدخول وارتفاع الكلف المعيشية، فقد ساهمت في وضع الأسر الأردنية تحت ضغط مالي رهيب، وتسببت في "انفجار" الخلافات المالية العائلية وارتفاع نسب الفقر والبطالة، والتي ولّدت فراغًا بين فئة من الشباب العازمين كل العزم على إثبات ذواتهم، وبالتالي "تحويل الحبة إلى قبة".
ثم ننتقل، وبشكل سريع ولكن مهم جدًا ومحوري، لأسباب مرتبطة بتفشي وانتشار مخيف للمخدرات بأنواعها، والتي تعاني منها شريحة من الأسر الأردنية، ونعلم جميعًا أنها تؤدي إلى فقدان السيطرة على العقل، ونشكر هنا إدارة مكافحة المخدرات التي تعمل ليل نهار للسيطرة والحد من هذه الظاهرة.
من ناحية أخرى، فإن قصور القوانين المرتبطة بالجرائم ساهم في غياب تغليظ العقوبات بشكل قوي على انتشار قاعدة "من أمن العقاب أساء الأدب"؛ غير أن طول إجراءات التقاضي إلى جانب إسقاط الحق الشخصي الذي قد يأتي بعد الصلح العشائري في بعض القضايا، يعمل على تخفيف العقوبة على الجاني.
ومن المؤسف أيضًا أن عددًا لا بأس به من الجرائم يتم معالجتها بعد وقوعها؛ يعني أننا نأخذ بالنتيجة ولا نتتبع الأسباب، وبالتالي يفتقر الواقع الاجتماعي لآليات تبليغ استباقية تتدخل في حال تهديد شخص، فقد يتحول التهديد إلى جناية قتل.
أما من ناحية صحية بيولوجية، فيغفل الكثيرون عن أهمية الأبحاث الطبية والجنائية الحديثة، والتي تربط بشكل وثيق بين السلوك العدواني ونقص بعض العناصر الأساسية في الجسم؛ مثل بعض أنواع الفيتامينات (د، ومجموعة فيتامينات ب)، حيث تسجل تقارير وزارة الصحة الأردنية نسبًا مرتفعة لنقص هذه الفيتامينات.
إذن، قد يسهم هذا الخلل البيولوجي في تراجع مستويات السيروتونين والدوبامين، وقد ربطت بعض الدراسات بين نقص هذه الفيتامينات وضعف القدرة على ضبط النفس وسرعة الهياج والانفعال؛ وهذا قد يفسر كيف تتحول مشاجرة بسيطة على أولوية مرور أو خلاف عائلي عابر إلى جريمة قتل مروعة.
قد أكون اجتهدت أكثر مما أصبت، لكنني آمل أن يفتح هذا المقال بابًا للدراسة والنقاش حول جذور المشكلة، لعلنا نتمكن من فهمها بشكل أعمق والمساهمة في الحد منها.



