أما وقد تم نشر مشروع قانون الإدارة المحلية 2026 على موقع ديوان التشريع والرأي، وتم فتح المجال لإبداء الرأي حوله، ولمحدودية المساحة المتوفرة على الصفحة المخصصة لذلك، أجد لازاماً علي الكتابة بشيء من التفصيل حول الجديد الذي تضمنه القانون والذي يعتبر بحق نقلة نوعيه في القانون تحاول نقل البلدية من جهة خدمات إلى وحدة حوكمة وتنمية مكانية.
لقد أتى مشروع القانون على ذكر أربع أنواع من الخطط، وهي: الخطة الإستراتيجية التنموية، الخطة الحضرية العمرانية، الخطة التنفيذية، الخطة العمرانية الشمولية للبلدية. فما هي تراتبية هذه الخطط، ومن يعد كل منها، ومن هي الجهة المسؤولة عن تنفيذها.
الخطة الإستراتيجية التنموية، وكما جاء في المادة (2) من مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026 ضمن باب التعريفات، هي: “أداة تخطيطية تحدد الرؤية والأهداف طويلة ومتوسطة الأمد لمجلس المحافظة أو البلدية، وتراعي الاحتياجات والموارد المتاحة، وتنسجم مع السياسات والأولويات الوطنية وخطط التنمية الشاملة”.
وعليه، فإننا نفهم من هذا التعريف بأن لكل مجلس محافظة خطة استراتيجية تنموية مستقلة، بمعنى أنه سيكون لدينا عملياً (12) خطة استراتيجية تنموية على مستوى المملكة، إضافة إلى الخطط الاستراتيجية الخاصة بالبلديات. وقد يكون هذا الطرح مقبولاً للمحافظات ذات الخصوصية التنموية والإدارية، مثل محافظة العقبة التي تضم سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، أو محافظة العاصمة بما لها من ثقل سكاني واقتصادي وإداري، إلا أن العديد من المحافظات الأخرى تتشارك إلى حد كبير في الرؤية والأهداف طويلة ومتوسطة الأمد، كخفض نسبة البطالة، وتحسين جودة الحياة، ورفع معدلات الاستثمار، وتعزيز الخدمات والبنية التحتية.
فعلى سبيل المثال، يمكن للدولة أن تحدد هدفاً وطنياً واضحاً يتمثل بخفض نسبة البطالة إلى 15% على المدى المتوسط، ثم إلى 10% على المدى الطويل، بحيث يصبح هذا الهدف مرجعية وطنية موحدة لجميع المحافظات، مع اختلاف الوسائل والأدوات التنفيذية من محافظة إلى أخرى بحسب ميزاتها النسبية ومواردها المحلية، بدلاً من قيام كل محافظة بإنتاج رؤية استراتيجية مستقلة قد تعيد صياغة الأهداف الوطنية ذاتها بصيغ مختلفة.
أما وقد تخلت الدولة الأردنية تدريجياً عن أسلوب التخطيط الشمولي التقليدي القائم على الخطط الخمسية والسباعية، ثم انتقلت خلال العقدين الأخيرين بين عدد من المرجعيات التخطيطية، مثل برنامج التحول الاقتصادي والاجتماعي، والأجندة الوطنية 2006–2015، ومبادرة كلنا الأردن، ورؤية الأردن 2025، والبرامج التنفيذية التنموية المتعاقبة، وصولاً إلى رؤية التحديث الاقتصادي، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: أي من هذه المرجعيات سيشكل الأساس الذي تُبنى عليه الخطط الاستراتيجية التنموية للمحافظات والبلديات؟
وهل يمكن اعتماد رؤية التحديث الاقتصادي بوصفها الخطة الاستراتيجية التنموية الوطنية العليا، بحيث تشتق منها الخطط الاستراتيجية التنموية المحلية بصورة تكاملية، بدلاً من إنتاج رؤى محلية متوازية قد تفتقر إلى التكامل الإقليمي والاقتصادي؟
كما يبرز تساؤل آخر لا يقل أهمية: هل تمتلك مجالس المحافظات المشكلة بموجب القانون القدرة الفنية والمؤسسية والزمنية لإنتاج خطة استراتيجية تنموية متكاملة لكل محافظة خلال دورة المجلس التي تمتد لأربع سنوات فقط؟ وإذا ما تم إعداد هذه الخطط، فهل ستكون خططاً عابرة للمجالس المتعاقبة وتلتزم بها الإدارات اللاحقة، أم أنها ستتغير بتغير المجالس والأولويات المحلية، مما قد يؤدي إلى انقطاع الاستمرارية التنموية وإعادة إنتاج الخطط بصورة دورية دون تراكم فعلي في التنفيذ؟
الخطة الحضرية العمرانية، هي: “الإطار التخطيطي والتنظيمي المكاني طويل ومتوسط الأمد الذي يحدد اتجاهات نمو البلدية وتوسعها العمراني، وينظم استعمالات الأراضي والأنشطة السكنية والاقتصادية والخدمية والحرفية والصناعية والسياحية، ويحدد احتياجات البنية التحتية والمرافق العامة والفضاءات الحضرية وشبكات النقل والمرور وإدارة النفايات الصلبة والمياه والصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار، ويبين أولويات التنمية العمرانية والخدمية والاستثمارية، بما يحقق تنمية عمرانية متوازنة ومستدامة، ويراعي حماية البيئة والموارد الطبيعية، ويحسن جودة الحياة، ويحافظ على الهوية العمرانية والثقافية للمدينة أو المنطقة، وينسجم مع الخطط الوطنية والقطاعية والتشريعات النافذة”.
إن ما جاء بهذا التعريف يُعد نقلة نوعية متقدمة في التشريعات الأردنية، ولطالما انتظر المختصون في التخطيط الحضري والعمراني إدخال مثل هذا المفهوم الشمولي إلى القوانين الناظمة للإدارة المحلية والتنظيم. فالتعريف لم يعد يقتصر على مفهوم التنظيم التقليدي المرتبط بالأبنية واستعمالات الأراضي فقط، بل انتقل إلى مفهوم أكثر شمولاً يربط بين: العمران، النقل، البنية التحتية، البيئة، التنمية الاقتصادية، الفضاءات العامة، جودة الحياة، والهوية الحضرية.
إلا أن إعداد مثل هذه الخطة يتطلب عملياً البدء من الصفر تقريباً، لأن معظم البلديات الأردنية، وربما حتى المحافظات، لا تمتلك قواعد بيانات حضرية ومكانية متكاملة تسمح بإعداد خطط بهذا المستوى من الشمول والتعقيد. وحتى محافظة العاصمة، التي تشكل حدود أمانة عمّان الكبرى ثقلها الجغرافي والإداري، لا تمتلك حتى اليوم خطة حضرية عمرانية متكاملة بالمفهوم الوارد في مشروع القانون. صحيح أن الأمانة أعدت “الخطة التنموية الشاملة” عام 1987، ثم “مخطط عمّان الشمولي” عام 2007، إلا أن كلتا الخطتين استغرقتا سنوات طويلة من العمل الفني والمؤسسي، وواجهتا تحديات كبيرة في التنفيذ والمتابعة وربط المشاريع بالواقع المالي والتشريعي والإداري.
ومن هنا يبرز السؤال الأهم: ما هو المستوى المكاني المقصود بالخطة الحضرية العمرانية؟ هل ستكون على مستوى المملكة، أم على مستوى المحافظة، أم على مستوى البلدية، لطالما أن التعريف يطالب بتحديد إتجاهات النمو والتوسع العمراني الذي يتطلب الإنتقال من مخططات على مستوى البلدية الى مخططات على مستوى البلديات والربط بينها.
وعليه، هل ستحل تلك المخططات محل المخطط الإقليمي، أو المخطط الهيكلي، أو التفصيلي، ولماذا تجنب مشروع القانون القفز عن قانون تنظيم المدن والقرى والأبنية رقم 79 لسنة 1966 (قانون التنظيم) واوكل تشكيل اللجان المحلية للبلدية وترك مستويات اللجان اللوائية ومجلس التنظيم الأعلى لقانون التنظيم.
إن إدخال مصطلح “الخطة الحضرية العمرانية” في مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026 يشكل تطوراً مهماً باتجاه التخطيط الحضري الشمولي، إلا أن المشروع لم يوضح علاقتها بالمستويات التخطيطية المعتمدة بقانون التنظيم، والتي تقوم على التدرج بين الخطط الإقليمية، والهيكلية، والتفصيلية، كما لم يحدد الجهة المختصة بإعداد كل مستوى، وآليات الربط بينها، الأمر الذي قد يخلق ازدواجية تشريعية وتداخلاً بالصلاحيات بين الإدارة المحلية والتنظيم الحضري.
ومن الملاحظ أيضاً أن مشروع القانون لم يستند بصورة واضحة إلى برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (الهابيتات) UN-HABITAT أو إلى “السياسة الحضرية الوطنية الأردنية” التي أعدتها وزارة الإدارة المحلية بالشراكة مع البرنامج، وتم إقرارها من الحكومة الأردنية عام 2024، رغم أن هذه السياسة تمثل المرجعية الأقرب لمفهوم الخطة الحضرية العمرانية الوارد بالمشروع.
وحتى نقتنص فرصة إدخال مفهوم “الخطة الحضرية” إلى التشريعات الأردنية بصورة مؤسسية واضحة، فإننا نقترح تحديث “السياسة الحضرية الوطنية الأردنية” واعتمادها بوصفها المرجعية الوطنية العليا على مستوى المملكة، بحيث تشتق منها خطط حضرية عمرانية على مستوى المحافظات، يمكن أن تسمى مثلاً:الخطة الحضرية العمرانية لمحافظة مادبا”، ثم تتفرع عنها: الخطة العمرانية الشاملة لبلدية مادبا”. وبذلك تصبح التراتبية التخطيطية واضحة ومتكاملة، بحيث تعتمد السياسة الحضرية الوطنية الأردنية على مستوى المملكة، وتعدها وزارة الإدارة المحلية، وتُعد الخطة الحضرية العمرانية على مستوى المحافظة من قبل مجلس المحافظة، بينما تتولى البلدية إعداد الخطة العمرانية الشاملة على المستوى المحلي.
ولو قيض لهذه التراتبية أن تنفذ بطريقة احترافية اليكترونية، مدعومة ببيانات مكانية دقيقة، وتشريعات واضحة، واستقرار مؤسسي طويل الأمد، فإنها قد تشكل بالفعل طوق النجاة الذي يحقق التنمية العمرانية المتوازنة والمستدامة التي نص عليها تعريف الخطة الحضرية العمرانية في مشروع القانون.
الخطة الثالثة هي "الخطة التنفيذية" والتي عرفها المشروع: الوثيقة التشغيلية التي تحول أهداف وأولويات الخطة الإستراتيجية التنموية إلى برامج ومشاريع وأنشطة محددة زمنياُ وقابلة للقياس والتنفيذ خلال فترة زمنية قصيرة أو متوسطة الأجل، وتشمل الجدول الزمني، والموارد المطلوبة، وآليات التنفيذ والمتابعة والتقييم.
وهذا يعني أن الخطة التنفيذية التي جاء ذكرها بالمادة (9/ أ) من مشروع القانون، تعود على الخطة الإستراتيجية التنموية كما جاء بالتعريف: أداة تخطيطية تحدد الرؤية والأهداف طويلة ومتوسطة الأمد لمجلس المحافظة أو البلدية، وتراعي الاحتياجات والموارد المتاحة، وتنسجم مع السياسات والأولويات الوطنية وخطط التنمية الشاملة”. هذا هو المستوى الأول بالتخطيط كما فهمنا والذي يختص بالسياسات، واقتراحنا هو إعادة تعريف الخطة التنفيذية لتحويل "الخطة الحضرية العمرانية" وهو المستوى الثاني الى برامج ومشاريع وانشطة محددة، كأن نقول المحافظة بحاجة الى إستاد رياضي دولي، والبلدية بحاجة الى ثلاث ملاعب محلية. الفكرة تتجلى بجعل الخطة التنفيذية واقعية وقابلة للقياس ضمن عمر المجالس.
الخطة الرابعة هي "الخطة العمرانية الشمولية للبلدية" والتي جاء ذكرها بالمادة (7) البند (3) منه، وهي الأخطر والأهم بالنسبة لنا، فهي التي ستضع حد لما يعرف بالأراضي داخل حدود البلدية وخارج التنظيم. الخطة العمرانية يجب ان تشمل جميع الأراضي الواقعة ضمن حدود البلدية كما جاء بإسمها "شمولية" على ان تحدد الخطة التنفيذية (المستوى الثالث) البرامج والمشاريع، كأن نقول بأن منطقة الغوير بالطفيلة ستشهد شق وتعبيد الطرق بالعام 2028 وأن العمل على تنظيم المنطقة سيبدأ وفقا للمشروع المحدد ميزانيته وإطاره الزمني بالعام 2027.
نعم هذا هو فهمنا لمشروع القانون والذي نصفة بالقفزة بالإتجاه الصحيح، شريطة أن يتم إعادة هيكلية الخطط والفصل بين تلك التي تعمل على المستوى الوطني، وخطط المحافظات، وخطط البلديات.



