*
الثلاثاء: 12 أيار 2026
  • 12 أيار 2026
  • 19:02
أنداري
الكاتب: عماد داود


حين يتعب المنطق من شرح ما يحدث
حين يزفر الأردني بعبارة: «أنداري…!»
فهو لا ينسحب من المشهد، ولا يرفع الراية البيضاء، ولا يعلن هزيمته أمام الحياة.

هو فقط يصل إلى تلك المنطقة المتعبة التي يعجز فيها المنطق عن تفسير ما يجري دون أن يفقد احترامه لنفسه.

ليست الكلمة حيرةً بقدر ما هي فائض معرفة، ولا جهلًا بقدر ما هي تعبٌ من كثرة الفهم.

الأردني لا يقول: «أنداري…» لأنه لا يرى الحقيقة، بل لأنه رآها أكثر مما يجب!

لهذا تأتي الكلمة باردة، قصيرة، ومطفأة النبرة؛ كأنها ختم أخير على محضر عبث طويل، تُغلق فيه المناقشة، لا لأن الحقيقة غائبة، بل لأنها أصبحت مكشوفة إلى درجة مؤذية.

في لحظة «أنداري…» لا ينهار الأردني.
على العكس… يتماسك أكثر.

يختار الوقوف الهادئ بدل السقوط الصاخب، ويشدّ نفسه من الداخل كما يشدّ الحرّاث محراثه حين يعرف أن الأرض قاسية، لكن تركها أخطر.

يسكب قهوته بيد ثابتة بينما الغرفة تمتلئ بالماء؛ ليس لأنه لا يرى الفيضان، بل لأنه يعرف أن الصراخ لا يُنقص منسوبه، وأن الوقار… أحيانًا… آخر أشكال الاحتجاج المتاحة!

هكذا فقط يمكن فهم هذا الكائن الأردني الذي يمشي فوق التعب اليومي كأنه يمشي فوق واجب شخصي لا يحق له التذمر منه.

يدفع.
يصبر.
ينتظر.
يتحمّل.
ثم يبتسم ابتسامة صغيرة، ويقول:

«أنداري…»

في هذا البلد، لا تتعب الناس فقط من الفقر، أو البطالة، أو الغلاء، بل من ذلك الإحساس الثقيل بأن الأشياء تُدار أحيانًا بطريقة لا تشبه ما يُقال عنها.

تتحول المكاتب إلى متاهات ورقية يطارد فيها القرار أثره، وتُدار الملفات كما لو أن النيات تكفي وحدها لصناعة النتائج، بينما يُطلب من المواطن أن يفهم أكثر مما يجب، وأن يصبر أكثر مما يُطاق، وأن يبتلع الفجوة الهائلة بين الكلام والواقع وكأنها تفصيل عابر.

وفي فضاء عام تحوّل إلى حقل ألغام لغوي، تصبح كل كلمة قابلة للتأويل، وكل صراحة مشروع سوء فهم، وكل اعتراض مخاطرة غير مضمونة الكلفة.

هناك… تصبح «أنداري…» شكلًا ذكيًا من أشكال النجاة.

ليست خوفًا، بل اقتصادًا في الكلام.
وليست انسحابًا، بل امتناعًا محترفًا عن استنزاف الروح في نقاش يعرف الجميع نتائجه مسبقًا.

المواطن هنا لا يظهر كضحية بقدر ما يظهر كحرّاث أسطوري؛ يحمل البلاد فوق ظهره بصمت، ويرى — بعين الخبير لا بعين الحاسد — كيف تُنسج الامتيازات أحيانًا بخيوط لا تُرى، لتصنع مسافات ناعمة بين القريب والمستحق، وبين من ينتظر… ومن لا يحتاج أصلًا إلى الانتظار.

المشكلة لم تعد في وظيفة ضاعت، ولا في فرصة تأخرت، بل في شعور يتمدد ببطء داخل الناس:

أن التعب موزّع بعدالة… لكن الفرص ليست كذلك دائمًا!

وأن شعار «مصلحة البلد» يبدو نبيلًا جدًا فوق المنابر، لكنه يتعرض أحيانًا لاختبارات قاسية حين يهبط إلى الأرض، حيث تبدأ الاستثناءات، وبنود الضرورة، والأسماء المحظوظة التي تعرف دائمًا كيف تصل قبل الجميع.

أما أبناء الحرّاثين الحقيقيين، فيقفون طويلًا داخل طوابير الانتظار، لا يملكون سوى أكتافهم الثقيلة، وأملهم المؤجل، وإيمانهم الغريب بأن البلد — رغم كل شيء — يستحق أن يُحمَل.

ولهذا لا يكسر الأردني محراثه.
لا يشتم.
لا يصرخ طويلًا.
لا يعلن الكراهية.

يفعل شيئًا أكثر قسوة من كل ذلك:

يتحمّل أكثر!

وهنا تحديدًا تكمن خطورة المسألة.

لأن الصبر الذي يُقدَّم دائمًا بوصفه فضيلة وطنية، ليس موردًا أبديًا، بل الثروة غير المرئية التي أبقت هذا الهيكل واقفًا كل هذه السنوات.

لكن حتى الثروات الكبرى، حين تُستهلك بلا حساب، لا تعلن إفلاسها بصوت مرتفع…

هي فقط تصمت!

ولهذا يُخطئ من يقرأ الصمت الأردني باعتباره رضا.

إنه غالبًا المرحلة التي يتوقف فيها الناس عن الشرح، لا لأنهم اقتنعوا، بل لأنهم تعبوا من إعادة قول الأشياء نفسها دون أن يتغير شيء.

وهذا أخطر أنواع الصمت؛
الصمت الذي لا يسبق الانفجار بالضرورة… بل يسبق البرود.

والشعوب لا تنهك حين تغضب فقط.
أحيانًا تنهك حين تفقد قدرتها على الدهشة.

العتب هنا ليس خصومة مع الوطن، بل شكل موجع من أشكال الحب؛ حبّ الذين يعرفون البلاد من تعبهم اليومي، لا من شرفات الامتياز.
الذين يقيسون المواسم بما دفعوه من أعمارهم، لا بما سمعوه في الخطب.
الذين يحملون الوطن على ظهورهم بصمت، ثم يعتذرون له لأنهم تعبوا.

لهذا ليست «أنداري…» مجرد كلمة دارجة.

إنها السيرة المختصرة لشعب كامل تعلّم كيف يخبئ وجعه داخل نبرة هادئة.

هي الوتد الأخير في خيمة الاحتمال؛ والوتد لا يصرخ حين يضعف، بل يحمل أكثر مما صُمّم له.

لكن الأوتاد أيضًا لها حدود!

وما بعد «أنداري…» ليس فوضى، ولا تمرّدًا، ولا خطابات عالية السقف.

ما بعد «أنداري…» شيء أكثر هدوءًا… وأكثر خطورة:

أن يتوقف الناس عن محاولة الفهم أصلًا.

وعندها، لن يقول الأردني شيئًا كبيرًا.

سيكتفي بأن ينظر طويلًا إلى هذا التعب كلّه…

ثم يزفر الجملة التي تختصر وطنًا كاملًا من الصبر:

«أنداري…!»

مواضيع قد تعجبك