*
الثلاثاء: 12 أيار 2026
  • 12 أيار 2026
  • 19:05
الإنتحارُ  إقدامٌ على  دَمارٍ  ونار
الكاتب: عوض ضيف الله الملاحمة

أتلمس مواجع وطني بحزن ، وألم متمنياً ان يكون وطني بخير دوماً . وأستاء ، وأتكدر  اذا قرأت عن حدثٍ سلبي ، يؤشر على وجود خللٍ ما ، او وجعٍ معين . 

سائني الإطلاع على إحصائية تتحدث عن أرقام حالات الإنتحار . ووجدتها مُقلقة . حيث بلغت حالات الإنتحار  ( ١٦٦ ) حالة عام ٢٠٢٤ . بينما  بلغت حالات الإنتحار عام ٢٠٢٣ ، ( ١٦٠ ) حالة . وهذا يعني ان هناك إرتفاعاً في عدد حالات الإنتحار في عام ٢٠٢٤ . ونلحظ ان هناك إرتفاعاً كبيراً في عدد حالات الإنتحار اذا ما قارنا الإحصائيات خلال( عقد ) من الزمن . فمثلاً بلغت حالات الإنتحار عام ٢٠١٤ ،  ( ١٠٠ ) حالة . وهذا يعني ان نسبة الإرتفاع في حالات الإنتحار خلال (١٠ ) سنوات حوالي ( ٣٧,٥ ٪؜ ) .

وحتى نلحظ الزيادة أكثر ، بلغت حالات الإنتحار ( ٦٠ ) حالة عام ٢٠٠٨ . وهذا يعني ان الوتيرة في تصاعد مستمر ، ومقلق ، وتظهر عندما نقارن حالات الإنتحار بين عام ٢٠٠٨ حيث بلغت ( ٦٠ ) حالة ، وعام ٢٠٢٤ حيث بلغت ( ١٦٦ ) حالة ، وهذا يعني ان حالات الإنتحار تضاعفت  حوالي ( ٣ ) أضعاف خلال ( ١٨ ) عاماً ، ويُستنتج منه  انها تتضاعف كل ( ٦ ) سنوات تقريباً . 

بما ان وتيرة الزيادة في حالات الإنتحار في تصاعد ، وتتزايد بشكلٍ مضطرد ، فإن الإنتحار (  يكاد ) يشكل ( ظاهرة ) في مجتمعنا الأردني ، وهذا مؤشر خطير ، ينبيء بشر مستطير ، خاصة عندما نأخذ في الإعتبار الفئة العمرية للذين يُقدِمون على الإنتحار ، حيث تتراوح الأعمار بين ( ١٨ — ٣٧ ) سنة . وبعد ذلك علينا ان ندقق ملياً بأسباب الإنتحار . 

والأخطر الواجب الإلتفات اليه واعلانه ، وإعلان أرقامه ، يتمثل في عدد ( محاولات ) الإنتحار التي فشلت . لأن هؤلاء يعتبرون مشاريع منتحرين في أية لحظة . ويتوجب رعايتهم ومعالجتهم ، ليعودوا أفراداً أصحاء نفسياً ، وينخرطون في المجتمع ، وينبذون ما أقدموا عليه ، وان لا يعودوا للمحاولة ثانية . 

وما يتوجب الإلتفات اليه ان نسبة المنتحرين ممن ( تقل ) أعمارهم عن ( ١٨ ) عاماً ، بلغ عددهم ( ١٦ ) حالة عام ٢٠٢٤ . كما ان ما تتوجب دراسته ان عدد المنتحرين من الذكور عام ٢٠٢٤ بلغ ( ١٣٥ ) حالة ، ومن الإناث ( ٣١ ) ، وهذا مؤشر  يوجهنا للتفكير في أسباب الإنتحار . 

صحيح أن الإحصائيات تشير الى وقوع ( ٧٢٧,٠٠٠ ) حالة إنتحار عالمياً عام ٢٠٢٤ . وشيء جيد ان يكون ترتيب الأردن ( ١٧٨ ) بين دول العالم في حالات الإنتحار . لكن علينا ان لا نطمئن ، ولا نركن لذلك ، لأسباب عديدة منها ، انه من الخطأ المقارنة مع دول العالم الأخرى، لإختلاف الظروف كلياً . وهنا سوف أورد بعض الأمثلة . فمثلاً الأسباب التي تدفع الشباب للإنتحار في الغرب ، تختلف تماماً عن الأسباب التي تؤدي للإنتحار في وطننا . فمثلاً من دوافع الإنتحار في دول الغرب : الفراغ العاطفي ، والتفكك الأسري ، وإنتشار الجريمة ، والبعد عن الدين ، يضاف الى ذلك غياب الرحمة ، وغياب التكافل الإجتماعي ، وغياب الدفء الأسري . بينما الأمور تختلف كلياً في الأردن ، فمثلاً : نحن مجتمع متدين ، موحِّد ، فوجود الديانتين الإسلام والمسيحية ، وتمسك كل طرفٍ في قيم ديانته ، يخلق إستقراراً نفسياً ، يضاف الى ذلك لدينا التماسك الأسرى ، وأسرتنا الأردنية صحية بشكل عام . 

أرى ان الأسباب الرئيسية التي تؤدي للإقدام على الإنتحار تتلخص فيما يلي :—
١ )) المخدرات 
٢ )) البطالة 
٣ )) الفقر 
٤ )) العنف الأُسري والمشاكل والخلافات العائلية . 

فإنتشار المخدرات ، وتحوّل الوطن من ممر للمخدرات الى مقر ومركز إستهلاك ، أطاح بالكثير من أخلاقيات المجتمع الأردني . وبما ان المخدرات تُذهِب العقل ، يصبح من السهل على الشاب المدمن ان يُقدِم على الإنتحار ببساطة لانه لا يدرك عواقب فعله وتصرفه . 

أما البطالة ، فهي المغذي الرئيسي للإقدام على الإنتحار . لأن البطالة تُدمر نفسية المتعطل عن العمل ، فهو يشعر بانه لا قيمة له ، وانه غير مؤهل لأن يلعب دوراً إيجابياً في مجتمعه . هذا إضافة الى الفقر الذي تسببه البطالة ، التي تخلق العوز وضيق ذات اليد ، خاصة اننا نعلم ان هناك حوالي ( ٤٥٠,٠٠٠ ) متعطل عن العمل  ، وان نسبة البطالة بوجه عام حوالي ( ٢١,٢ ٪؜ ) ، وان نسبة البطالة بين الشباب الجامعيين وصلت الى ( ٢٩,٥ ٪؜ ) ، وان نسبة البطالة بين الفتيات الجامعيات حوالي ( ( ٨١ ٪؜ ) . وان بعض الشباب والفتيات من الجامعيين يجلسون لعقود بعد تخرجهم دون عمل . لا بل سمعنا ان أحد الشباب الجامعيين وصل عمره الى ( ٤٠ ) عاماً الا بضعة أيام ، وصادف ان جاء دوره في التعيين ، فعمل جاهداً ان يستكمل إجراءات تعيينه قبل بلوغه سن الأربعين عاماً، حتى لا يفقد فرصته الوظيفية . 

الإقدام على الإنتحار جريمة كبرى وشنيعة . والأديان السماوية تحرم الإقدام على الإنتحار . حيث قال تعالى ، بعد بسم الله الرحمن الرحيم (( ولا تقتلوا أنفسكم ان الله كان بكم رحيما ، ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً ، فسوف تصليه ناراً وكان ذلك على الله يسيرا )) صدق الله العظيم ، سورة النساء الأية رقم ( ٢٩ و ٣٠ ). وقال رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم (( من قتل نفسه بشيء عُذِّب به يوم القيامة )) صدق رسولنا الكريم . وقال صلى الله عليه وسلم : (( لا يَتَمنَّينَّ أَحَدُكُمُ الموتَ من ضُرٍّ أصابه )) صدق رسولنا الكريم . 

الإنتحار فعل مذموم ، وممجوج ، ومكروه ، ومحتقر ، بل مجنون ، ومحرم ، وشنيع ، وفيه خسران للدنيا والآخرة . الإنتحار جريمة يرتكبها الإنسان بحق نفسه ، ويدمر عائلته من بعده . 

لا أدري ما إذا كانت الحكومات الأردنية لديها برامج للحد من ظاهرة الإنتحار ؟ ولا أدري ما الذي بوسع الحكومات الأردنية فعله لتقليص عدد حالات الإنتحار المتزايدة بشكل مُقلق ، سوى ان تعمل جاهدة ليصِحَّ المجتمع ، وتتحسن فيه أوضاع الناس المعيشية ، بالتخفيف من ظاهرتي الفقر والبطالة ، وتعود الطبقة الوسطى لتسود ،  وإجراء متابعة نفسية حثيثة لمن حاولوا الإنتحار وفشلوا . 

في النصف الأول من ثمانينات القرن الماضي ، جلست مع عطوفة ابن العم المرحوم الأستاذ / صالح فارس الطراونة ، حيث كان يعمل مستشاراً عمالياً في سفارتنا في أبوظبي ، والأستاذ / مأمون الروسان ، زميل الدراسة في جامعة بغداد ، ورفيق العمر ، جلسنا نتحاور لليلة كاملة عن (( الإنتحار هل هو فعل شجاعة أم جُبن )) ، واتفقنا على ان : (( المنتحر شجاع على نفسه ، جبان في مواجهة الحياة )) . 

وأختم ببيتين من الشعر ، تعذر عليّ معرفة إسم الشاعر :—
ومن يقتل نفسه بظلمٍ وعَدوةٍ / فذاك لعمرُ الله في النارِ خالدُ 
فلا تعجلن بالموت قبل أوانهِ / فإنك بعد الموتِ لا شك واردُ .

مواضيع قد تعجبك