*
الاثنين: 11 أيار 2026
  • 11 أيار 2026
  • 10:03
جامعة الدول العربية ديبلوماسية الديازيبام وبروتوكول التهدئة الكيميائية
الكاتب: عماد داود

الجثة في منتصف الغرفة.. والجميع يطالبون بـ "ضبط النفس!
في الثالث عشر من فبراير 2009، نشر الكاتب الأردني خالد محادين مقالاً على موقع «خبرني» عنوانه:

«مشان الله يا عبدالله!»

لم يخترع العنوان — أخذه من الشارع.
من تعليقات مواطنين غاضبين كانوا يصرخون في الفضاء الإلكتروني ما لم تجرؤ الصحف على نشره:
«مشان الله حلّه يا عبدالله!»

قُدِّم محادين إلى القضاء. أُعلنت براءته.
وبعد تسعة أشهر من نشر المقال — صدرت الإرادة الملكية بحل المجلس.

تسعة أشهر — وكان ثمة قرار. وكان ثمة من يملكه!

اليوم، حين يصرخ الشارع العربي من المحيط إلى الخليج:
«حلّوا جامعة الدول العربية!»

السؤال ليس: هل يستحق الصراخ؟
السؤال هو: من يملك القرار؟!

في 2009 كان ثمة عبدالله يسمع.
أما الجامعة — فلا يوجد عبدالله عربي واحد يملك حلّها.
بنوها جميعاً — وهذا بالضبط سبب أن لا أحد يستطيع هدمها!

ثمة لحظة في حياة كل مريض، يعرف فيها الطبيب الحقيقة كاملة — لكنه يختار أن يُعدّل الجرعة بدل أن يقولها.

هذه اللحظة — في حالة جامعة الدول العربية — امتدت ثمانين عاماً!

لا تحتاج إلى استطلاع رأي. لا تحتاج إلى مركز أبحاث.
اسأل أي عربي عنها — في القاهرة أو بيروت أو عمّان أو الرباط — واستمع.

لن تسمع نقداً سياسياً.
لن تسمع تقييماً أكاديمياً.

ستسمع ضحكة!

ضحكة جافة، قصيرة، مريرة — تنتهي قبل أن تبدأ.
أو ستصادف شيئاً أشد قسوة من الضحكة:

الصمت.

ذلك الصمت الذي يعني أن الخيبة تجاوزت حدود اللغة — وصارت شيئاً يُحمَل في الجسد لا يُقال بالكلمات.

وحين تتحول مؤسسة إلى مادة للسخرية في كل عاصمة — فهذا ليس فشلاً سياسياً!
هذا إعلان وفاة يُكتَب يومياً — في كل مقهى، في كل بيت، في كل غرفة يجلس فيها عربي ويفهم بصمت أنه وحيد.

ثمانون عاماً. ماذا بقي؟

بيانات!
قمم!
صور جماعية يبتسم فيها الجميع بالقدر الكافي!
وعبارة واحدة تتكرر كأنها نشيد وطني لمؤسسة بلا وطن:

«أعربت الجامعة عن قلقها البالغ.»

اليمن يحترق؟ قلق بالغ.
سوريا تُمحى؟ قلق بالغ.
ليبيا تنفجر؟ قلق بالغ.
لبنان ينهار؟ قلق بالغ.
وغزة — التي صارت أكثر جروح هذا القرن عمقاً وعراءً ووضوحاً —
غزة أيضاً نالت حصتها من القلق البالغ!

كأن المأساة كلها تُدار بنظام نسخ ولصق لا ينتهي —
وكأن اللغة نفسها صارت شريكة في الجريمة: تُوهم بالحضور وتُغطي على الغياب!

لو أردت أن تفهم هذه المؤسسة حقاً، لا تنظر إلى ما فعلته.
انظر إلى ما لم تفعله حين كانت تستطيع!

عام 1948 — كانت موجودة.
عام 1967 — كانت موجودة.
عام 1982، صبرا وشاتيلا — كانت موجودة.
عام 2023، حين بدأ المحو المنهجي لغزة — كانت موجودة!

الوجود شيء. والفاعلية شيء آخر تماماً.
والمسافة بين الاثنين — هي بالضبط ثمانون سنة من التاريخ العربي الضائع!

الإنجاز الوحيد الذي لا ينازعها فيه أحد:
أنها نجحت في الإفلات من المحاسبة ثمانين عاماً متواصلة!
هذا — بكل موضوعية — إنجاز تاريخي.

لكن الأشد قسوة من الفشل نفسه — أن الجميع يعرف!

اسأل أي دبلوماسي عمل في أروقتها — لا أمام الكاميرات، بل في لحظة صدق على كوب قهوة بارد —
وسيقول لك بهدوء شخص يعرف أنه يصف ما لا يُصرَّح به:

«العواصم لا تتفق على شيء فعلياً. لم تتفق يوماً.»

كل دولة تتحرك وحدها. تبني تحالفاتها وحدها.
تبحث عن أمنها ومصالحها — بمعزل تام عن أي نظام مشترك لم يعد مشتركاً أصلاً!

ثم يجتمع الجميع في القمة. يلتقطون الصورة. يوقّعون البيان.
ويرحلون!

أما البيان — فقد صِيغ بعناية تحفّ بها موهبة حقيقية:
لغة فخمة. جمل طويلة. مصطلحات مطاطة.
ونص يقول كل شيء… دون أن يُلزم أحداً بأي شيء!

يشبه ذلك ما يفعله طبيب قرّر أن يُدير المرض لا أن يُعالجه.
يُبقي الجرح حياً — لا يندمل فيريح، ولا ينفجر فيُجبر على المواجهة!

هذا بالضبط ما فعلته الجامعة بالقضية الفلسطينية وبكثير مما عداها:
أدارت النزيف. ولم تُنهِه. ولا تريد إنهاءه!
لأن انتهاء النزيف يعني انتهاء الوظيفة —
ووظيفتها الوحيدة الباقية هي تبرير وجودها!

وهنا يأتي السؤال الذي لا تجرؤ الميزانيات على الإجابة عنه.

لست بصدد الحديث عن الرواتب الفلكية.
ولا عن الامتيازات التي تجعل من موظفي الجامعة كائنات فوق-أرضية.
هذا ترف لا تطيقه أعصابنا المثخنة بالجراح.

لكن ثمة بند واحد يستحق التقصي الحقيقي —
بند يتضخم في ميزانيتهم مع كل قمة تحت مسمى رسمي بالغ الدقة:

«بروتوكول التهدئة الكيميائية»!

مبالغ الديازيبام ومهدئات الأعصاب المرصودة هناك —
هي الضمانة الوحيدة لثبات الأصابع التي تضغط Copy-Paste على بيانات الشجب الجاهزة منذ عام 1945!

نفاد هذه العقاقير هو التهديد الوجودي الحقيقي للمنظمة.
لا حرب. لا أزمة. لا قرار مصيري.
نفاد الجرعة!

لأن نفادها قد يضطرهم للاستيقاظ من غيبوبتهم الطبية —
ليجدوا أنفسهم، لأول مرة، وجهاً لوجه أمام الجثة في منتصف الغرفة —
دون غطاء كيميائي يحميهم من وخز الضمير أو وطأة الواقع الصادم!

قارن — إن احتملت المقارنة — بالاتحاد الأوروبي!

دول بينها حروب دموية ما تزال في الذاكرة الحية. لغات مختلفة. قوميات متصارعة.
ومع ذلك — بنت سوقاً موحدة، وعملة مشتركة، ومحاكم ملزمة، وآليات قرار تعاقب وتفرض وتحاسب!

بينما فشل العرب — رغم اللغة الواحدة والجغرافيا الواحدة والدين المشترك والتاريخ والمصير والذاكرة والجرح —
في بناء الحد الأدنى من التنسيق الفعلي المستدام!

كأن اللغة المشتركة لم تصنع أمة —
بل اكتفت بإخفاء حقيقة أنها لم تصنعها!

والسبب ليس غامضاً. اسمه كلمة واحدة:
الإجماع!

هذه الكلمة التي تبدو بريئة في الخطب الافتتاحية —
كانت عملياً المقبرة الكبرى لكل قرار حقيقي!

حين تملك كل دولة حق التعطيل —
لا تكون المؤسسة أداة عمل جماعي!
تكون بوليصة تأمين ضد أي فعل مؤلم أو حاسم أو تاريخي!

ثمانون عاماً.
ولم يصدر قرار عربي واحد — واحد — غيّر مسار المنطقة فعلاً!

والمفارقة الأشد مرارة:
أن الجامعة لم تعجز عن حل الخلافات العربية — بل أبقتها حية!
لأنها وفّرت مسرحاً آمناً للاختلاف الدائم —
بدل أن تُجبر أحداً على صناعة قرار يُكلّفه شيئاً!

وحين حاولت أن تتحرك — كما في تعليق عضوية سوريا ثم عودتها — لم تكشف عن قوة.
كشفت عن انتهازية: معايير تتحرك حين تتحرك الرياح، وتتوقف حين تتوقف!

العالم الآن يُعاد تشكيله من الجذر!

الخرائط تتحرك!
الممرات الاقتصادية تُرسم من جديد!
المياه تتحول إلى سلاح استراتيجي!
الطاقة تعيد كتابة موازين النفوذ!
والذكاء الاصطناعي يستعد لابتلاع مفهوم الدولة الوطنية نفسه!

في هذه اللحظة — أخطر لحظة تمر على المنطقة منذ رسم سايكس وبيكو خرائطها —
تتحرك المؤسسة العربية الأم بسرعة محضر إداري كُتب على ورق باهت،
ووقّعه موظف يفكر في عطلة الأسبوع!

المشكلة ليست في المبنى. ولا في الشعار. ولا في الأمين العام أياً كان اسمه.
المشكلة أن العالم العربي نفسه لم يعد يشبه نفسه — ولم يعد يريد أن يشبه نفسه!

لم يعد كتلة — بل جزراً متباعدة تتشارك اللغة وتختلف في كل شيء آخر!
كان المفترض أن الجامعة هي الجسر الذي يربط هذه الجزر.
لكنها صارت المرآة التي تعكس التشتت — ولا تُحرّك ساكناً لتجاوزه!

وثمة مظلوم حقيقي في هذه القصة كلها —
ليس الجامعة. المؤسسات لا تُظلَم.
المظلوم هو الفكرة!

الفكرة التي أُريد لهذه المؤسسة أن تجسّدها:
أن شعوباً تشترك في لغة وتاريخ ومصير يمكنها أن تبني شيئاً يعلو على حكّامها ومصالحهم الضيقة!

هذه الفكرة لم تُهزَم في ميدان المعركة!
هُزمت في غرف الاجتماعات —
حين اشترط كل نظام حق النقض على كل قرار،
وحين قبلت النخب هذا الشرط ظناً منها أنها تبني شيئاً —
وهي كانت تختار ألا تبني شيئاً، بضمان أنيق وشهادة حسن نية مؤطّرة!

لهذا — السؤال الحقيقي لم يعد:
لماذا فشلت جامعة الدول العربية؟

السؤال الحقيقي صار:
هل يوجد — أصلاً — شيء اسمه نظام عربي مشترك حتى تمثّله هذه المؤسسة؟!

وإذا كان الجواب لا — وكل المؤشرات تصرخ بالنفي —
فلماذا يواصل الجميع التصرف كأن المريض يتعافى،
بينما الأجهزة وحدها هي ما تُبقي رقم النبض على الشاشة؟!

الجامعة اليوم في غرفة الإنعاش!
تتنفس على الأجهزة.
والطاقم الطبي يُعدّل الجرعات — ويكتب التقارير — ويحضر المؤتمرات!
ولا أحد يجرؤ على طرح السؤال الذي يطرحه كل طبيب صادق في لحظة الحقيقة:

هل نواصل — أم نوقف الأجهزة بكرامة؟!

سيسجل التاريخ أن «البروتوكول» كان هو الكفن الذي اختاروه بعناية لإخفاء ملامح الضحية.
وأن «التهدئة الكيميائية» كانت سبيلهم الوحيد للتعايش مع رائحة الموت في ردهات الجامعة.

لكن — مهما بلغت ميزانية الديازيبام، ومهما تضخمت أرصدة المهدئات —
لن يأتي يوم تشفى فيه الجثة ببيان Copy-Paste.
ولن ينهض قتيل بجرعة «شجب» إضافية!

الحل ليس في تعديل الجرعة.
الحل في امتلاك الشجاعة لرفع الغطاء عن منتصف الغرفة — وإعلان الوفاة رسمياً.

أو الاعتراف بأن الجريمة كانت صمتاً — مع سبق الإصرار والترصد.

لأن إكرام الميت — دفنه.
لا التقاط الصور أمامه.

ماذا لو أنها انتهت منذ سنوات —
بينما الجميع ما زال يلتقط السيلفي أمام الجثة؟!

مواضيع قد تعجبك