*
السبت: 28 آذار 2026
  • 27 آذار 2026
  • 20:10
اللجنة الوطنية للمياه العابرة للحدود في سياق السياسة الخارجية والسلام الأزرق
الكاتب: ريم الرواشدة

يشير إطلاق مشروع اللجنة الوطنية الدائمة للتفاوض حول المياه العابرة للحدود إلى تحول نوعي في مقاربة الأردن لملف المياه، من كونه تحدياً تنموياً ضاغطاً إلى اعتباره أداة استراتيجية ضمن أدوات السياسة الخارجية وإدارة الأمن الوطني.
وفي منطقة تتزايد فيها الضغوط المرتبطة بندرة المياه والتغير المناخي والتحولات الجيوسياسية، يصبح بناء القدرات التفاوضية المؤسسية جزءاً من إعادة تموضع الدولة في النظام الإقليمي.
أردنيا، المياه قضية أمن قومي متعدد الأبعاد، إذ أن التحدي لا يقتصر على الندرة الفيزيائية للمياه، بل يمتد إلى تعقيد البيئة التفاوضية الإقليمية المرتبطة بالموارد المشتركة، ما يجعل من تطوير أدوات تفاوض مؤسسية متخصصة ضرورة استراتيجية لضمان استقرار الإمدادات المائية وتقليل المخاطر السياسية المرتبطة بها.
ويمثل تأسيس لجنة وطنية دائمة للتفاوض انتقالاً مهماً من الاستجابة الظرفية للأزمات إلى بناء ذاكرة مؤسسية تفاوضية. فالتفاوض حول المياه ليس عملية تقنية فقط، بل هو تفاعل معقد بين القانون الدولي والهيدرولوجيا والاقتصاد السياسي والعلاقات الدولية.
ومن خلال برنامج بناء القدرات الذي يتضمن تدريبات متخصصة وزيارات دراسية دولية وتطوير سيناريوهات تفاوضية، يمكن للأردن أن يعزز قدرته على صياغة مواقف تفاوضية متماسكة طويلة الأمد، وتوظيف البيانات العلمية في دعم القرارات السياسية، عوضا عن بناء تحالفات إقليمية مرنة حول مشاريع المياه والطاقة.
وهنا تتحول دبلوماسية المياه إلى شكل من أشكال القوة الناعمة التي تعزز حضور الدولة في المنصات الإقليمية والدولية.
وقبل ذلك، الاردن ليس بجديد على دبلوماسية المياه، إذ أنه عضو مؤسس لمبادرة "السلام الأزرق" التي برزت خلال العقدين الماضيين كمفهوم استراتيجي يسعى إلى تحويل المياه من مصدر محتمل للنزاعات إلى منصة للتعاون وبناء الثقة، لتتخذ المبادرة من فرضية أن الإدارة المشتركة للموارد المائية ركيزة أساسية يمكن أن تُعيد تشكيل العلاقات الإقليمية نحو نماذج أكثر تكاملاً واستدامة.
و تأسيس اللجنة الوطنية الدائمة للتفاوض حول المياه العابرة للحدود، أكثر من مجرد إصلاح مؤسسي قطاعي؛ فهو خطوة ضمن عملية أوسع لإعادة صياغة أدوات السياسة الخارجية الأردنية في عصر ندرة الموارد. وعند ربطه بمبادرة السلام الأزرق، تتضح إمكانات هذا المشروع في تحويل المياه من تحدٍ وجودي إلى رافعة للاستقرار الإقليمي والتنمية المشتركة وبناء النفوذ الدبلوماسي.
وفي عالم يتجه نحو تسييس متزايد للموارد الطبيعية، قد تصبح دبلوماسية المياه إحدى أهم ساحات التنافس والتعاون الدولي، ما يمنح الدول التي تستثمر مبكراً في بناء قدراتها التفاوضية موقعاً متقدماً في تشكيل مستقبل الإقليم.
وذلك يعزز دور المملكة في أن تلعب دوراً محوريا في طرح مشاريع تعاون عابرة للحدود مثل التحلية المشتركة أو الربط المائي-الطاقة، تطوير أطر قانونية مرنة لإدارة المخاطر المناخية، وتعزيز فرص التمويل الدولي للمشاريع الإقليمية، وبذلك يتحول التفاوض من آلية لتقاسم الموارد إلى آلية لإنتاج المنافع المشتركة.
و أبعد من ذلك، يملك الأردن مقومات تؤهله للعب دور الوسيط أو الجسر في دبلوماسية المياه الإقليمية، خاصة و أنه يتمتع بخبرة  طويلة في إدارة الندرة والتكيف المؤسسي، وعلاقات دبلوماسية متوازنة نسبياً مع أطراف إقليمية متعددة، وحضور متزايد في مبادرات التعاون الدولي المرتبطة بالمياه والطاقة.
وإذا ما نجح مشروع اللجنة الوطنية في بناء كفاءات تفاوضية متقدمة، فقد يتمكن الأردن من الانتقال من موقع الدولة المتأثرة بندرة الموارد إلى موقع الدولة المصمِّمة لأطر التعاون الإقليمي.

مواضيع قد تعجبك