*
الجمعة: 27 آذار 2026
  • 26 آذار 2026
  • 10:54
الباص الذي لم يمرّ
الكاتب: عماد داود

المخازن ممتلئة!
هذه الجملة صحيحة. ولا أحد يشكك فيها. والمسؤولون خرجوا وقالوها بالأرقام والأشهر والأطنان. القمح يكفي عشرة أشهر. والشعير ثمانية. والسكر اثنا عشر. الأرقام موجودة وواضحة ومُعلنة.
والأردني اشترى الشمعة رغم ذلك!
ليس لأنه لا يصدق الأرقام. بل لأنه يتذكر الباص!
في آذار 2020، حين أغلق الأردن نفسه على نفسه بحظر تجول شامل غير مسبوق، أعلنت الحكومة أنها ستوصل الخبز إلى البيوت! الوعد كان جميلاً والنية كانت طيبة والمخابز كانت مفتوحة والخبز كان موجوداً! لكن الباص لم يمرّ على كثيرٍ من الأحياء في الوقت المناسب! وحين تأخر الباص تجمهر الناس أمام المخابز مخاطرين بحياتهم للحصول على رغيف في بلد قالت حكومته إنه سيوصل الرغيف إليهم! المخزون كان موجوداً. والمشكلة كانت في الباص. والباص لم يمرّ!
هذه الذاكرة لا تُمحى ببيان. ولا تُطمأن بإحصاء. ولا تنسى حين يخرج مسؤول ليقول إن المخازن ممتلئة. لأن المواطن الأردني تعلّم درساً واحداً في 2020 لم يتعلمه في أي كتاب: أن المسافة بين الرقم الصحيح والرغيف الواصل ليست رياضيات! هي باص!
 وحين يتأخر الباص أو يضلّ الطريق أو تنقطع وقوده، لا تنفع الأرقام شيئاً!
ولهذا يشتري الشمعة اليوم!
الحكومة قالت لا تتهافتوا والتهافت يضرّ الاقتصاد ويرفع الأسعار. وهذا كله صحيح. لكن ثمة حقيقةً موازية لا تقولها أي حكومة في العالم بهذه الصراحة: أن التهافت الفردي هو الثمن الحتمي لغياب الضمان العملي المُشعَر به لا المُعلَن فقط!
 الفرق بين أن تعرف أن هناك قمحاً في المستودع وأن تشعر أن ذلك القمح سيصل إليك على باص يمرّ في الوقت المناسب هو الفرق بين الطمأنينة والشمعة!
ابن رشد حين ردّ على الغزالي في "تهافت التهافت" لم يقل إن الغزالي كاذب! قال إنه يهاجم العقل بالعقل فيُثبته رغم نفسه! ونحن اليوم أمام تهافت التهافت من نوعٍ لم يكتبه أحد: حكومةٌ تهاجم الخوف بالأرقام فتُثبت الخوف رغم الأرقام! لأن الخوف لم يولد من غياب الرقم! ولد من ذاكرة الباص الذي لم يمرّ!
والتهافت نفسه ليس كتلةً واحدة. فيه طبقتان لا تلتقيان: طبقةٌ تستجيب لذاكرة حية لا لوهم افتراضي، وطبقةٌ انتهازية تعرف أن الخوف سوقٌ مربحة والفراغ بين الرقم والباص فرصة ذهبية!
 بابور الكاز الذي قفز إلى خمسة عشر وعشرين وثلاثين ديناراً في أيام ليس دليل جنون المشتري! هو دليل عبقرية البائع في استثمار المسافة بين المستودع الممتلئ والبيت الخائف!
 المحتكر الأكبر في هذه المعادلة ليس التاجر الذي رفع السعر! المحتكر الأكبر هو الصمت عن خطة الطوارئ التي يملأها التاجر بأسعاره!
المسؤولون خرجوا وأخبرونا عن المخزون. وهذا واجبٌ أدّوه. لكن أحداً لم يخرج ليقول: إذا انقطعت الكهرباء ساعتين فهذا ما ستفعله الحكومة! وإذا شحّ الوقود فهذا نظام أولويات التوزيع! ولن نكرر تجربة باصات 2020 لأننا فعلنا كذا وكذا! هذه الجمل الثلاث أكثر إطماناً من كل أرقام المخازن مجتمعة! لأنها تتحدث عن الباص لا عن المستودع!
المشكلة ليست في غياب النية! المشكلة في غياب الخطة المشروحة التي تردم الهوة بين الرقم الصحيح والرغيف الواصل!
 في السياسة الخارجية الأردني يثق بسياسة الملك ثقةً تاريخية مكتسبة بعقود من الملاحة الدقيقة في بحر من الألغام!
 أما في السياسة الداخلية ففي سياسة الحكومة وجهة نظر ووجهات نظر! ليس لأن النوايا سيئة بل لأن باصاً واحداً لم يمرّ في الوقت المناسب يساوي ألف بيان!
إيران وضعت محطات الكهرباء الأردنية على قوائمها! والطفل المتصل بجهاز الإنعاش لا يملك رأياً في معادلات القوة الإقليمية! ووالده الذي اشترى الشمعة لا يستحق أن يُقال له لا تتهافت! يستحق أن يُقال له هذا ما فعلته الدولة لتجعل شمعتك غير ضرورية! وهذه الجملة الأخيرة لم يقلها أحد بعد!
الأردني لا يشتري الشمعة لأنه لا يثق بالدولة! يشتريها لأنه يثق بذاكرته أكثر من ثقته بالباص! وبين الثقتين يسكن الخوف! وحين يسكن الخوف في تلك المسافة تتحول الشمعة من سلعة إلى موقف! لا يشتريها! يُصوّت لها! يُصوّت لنور لا يحتاج باصاً لا يمرّ!
لا يلعن الظلام! يُضيء شمعته ويصمت! وذلك الصمت هو أشدّ اللعنات وأبقاها! لأنه صمت من رأى الباص يمرّ على مشارف حيّه دون أن يتوقف! صمت من حفظ الرقم ونسي أن الرقم لا يُشبع!
السؤال ليس لماذا يتهافت الأردنيون؟
السؤال: ماذا فعلنا منذ 2020 لنضمن أن الباص سيمرّ هذه المرة؟
لأن المخازن الممتلئة تُطمئن العقل! والعقل المطمئن يسأل مرةً واحدة فقط: ومن يضمن الباص؟
وحين لا يجد جواباً، يشتري الشمعة!
وتلك ليست شمعة!
تلك فاتورة الباص الذي لم يمرّ!

مواضيع قد تعجبك