في تلك الليلة، شعرت بأن أنفاسي أصبحت أثقل، وكأن الهواء نفسه تردد قبل أن يدخل صدري. دخل إليّ فيروس صامت، بهدوء لم أعتد عليه، مثل اللحظات التي تغيّر حياتنا من دون إعلان، وكأن العالم كله يختبر صبرنا دون أن يسألنا عن استعدادنا.
في البداية كان خفيفًا: حرارة بسيطة، سعال عابر، تعب لا يُذكر. كما نفعل نحن أحيانًا مع الأزمات: نخفف من شأنها، نؤجل المواجهة، نبحث عن أعذار للراحة، ونقنع أنفسنا أن كل شيء تحت السيطرة. لكن الجسد لا يكذب، والواقع لا ينتظر.
تسلل التعب تدريجيًا، ومعه شعور بالوحدة، ليس وحدي في الغرفة، بل في مواجهة ما يختبر القوة الحقيقية: القدرة على الصبر، القدرة على الاعتراف بالضعف، القدرة على أخذ الخطوة الصحيحة في وقتها. هنا فقط، شعرت أن الأزمة أكبر من مجرد أعراض، وأن المواجهة ليست جسدية فقط، بل عقلية وروحية أيضًا.
ثم ظهر الفعل الصادق، دون ضجيج: يد طبية خبيرة واستشارات طبيه خارجيه وداخليه عنايه صيدلانيه واثقه ، وصوت هادئ، ابتسامة كافية لطمأنة القلب. لم تعد المعركة فردية؛ كان هناك من يقاتل معي كلٌ بطريقته، بالعلم، بالدعاء بالرحمة، بالكلمة الطيبة التي تعيد النور إلى النفس. أدركت أن الشفاء لا يأتي من الشعارات، ولا من الكلام، بل من الأفعال الحقيقية، مهما صغرت.
مع مرور الساعات، بدأ الفجر يتسلل، وانسحب الضيف كما جاء: صامت، بلا ضجة، بلا إعلان نصر. شعرت حينها أن المعركة ليست في مقاومة المرض فقط، بل في فهم طريقة التعامل مع كل ما يختبرنا في الحياة.
خرجت من التجربة مختلفًا: أكثر قربًا من نفسي، من الناس، وأكثر فهمًا لضعف الإنسان وقوته في الوقت ذاته. تعلمت أن الاستسلام ليس هزيمة إذا كان تسليمًا للحياة، وأن الإيمان حين يقترن بالأخذ بالأسباب يصنع معجزة هادئة، غير مرئية لكنها حقيقية.
وبقيت الفكرة في قلبي، أعمق من أي حمى أو تعب: لكل عسر ساعة تنقضي، مهما بدا الظلام ممتدًا… ومهما طال الليل..



