عماد داود
حين يُعلن ولي العهد عن مشروع لبناء السردية الوطنية، لا يطلب منّا الاحتفال — يطلب منّا المشاركة. والمشاركة الحقيقية لا تبدأ بتصفيق، بل بسؤال: أيّ سردية نريد؟ وكيف نكتبها دون أن نكذب على أنفسنا؟
السردية الأردنية ليست مجرد مشروع يُعلن، بل لحظة مواجهة مع واقع لا يحتمل التزييف. الهوية التي تُكتب كإنجاز ثابت تتحول إلى نصب تذكاري بلا حياة. أما الهوية التي تُفهم كقرار يومي فتولد قوة صامتة. والأردن لم يبقَ لأنه حكى قصته — بل لأنه قرر أن يثبت مكانه حين انهارت حوله كل القصص الأخرى.
المشكلة لم تكن يوماً نقصاً في الأحداث، بل نقصاً في تعريف المعنى. ظلّ تاريخ هذه البلاد حكاية تُروى في هوامش كتب الآخرين، أو مختزلةً في لحظة تأسيس الدولة الحديثة، كأنّ ما قبل إمارة 1921 مجرد مقدمة لحضارات عابرة. هذا الفراغ السردي لم يكن بريئاً — تركنا عُرضةً لروايات الآخرين عنّا. أخطر ما يمكن أن يحدث الآن هو أن نملأ هذا الفراغ برواية رسمية مكتملة، لأن الرواية المكتملة لا تسمح بالمراجعة، والهوية التي لا تراجع نفسها تبدأ في الدفاع عن صورتها بدل تطوير ذاتها.
أولاً: سؤال التنوع الداخلي
كيف تكتب سردية جامعة لمواطنين تتوزع ذاكراتهم بين ضفّتَي النهر؟ بين من يرى في نكبة 1948 بداية قصة لجوئه الشخصي، ومن يرى فيها حدثاً عربياً كبيراً لكنه غير مؤسِّس لهويته الأردنية؟ ليس المطلوب من السردية أن تحلّ هذا الإشكال بإجابة نهائية — عجزت عن ذلك عقود من الحوارات. لكن المطلوب منها ألّا تتجاهله، وألّا تعامل التنوع الأردني كعائق يُتجاوز بالصمت أو بالعموميات الفضفاضة. التنوع الأردني ليس وصمة عار — هو ثراء ديموغرافي واجتماعي، والسردية التي لا تستوعبه ستبقى ناقصة، وربما منقسمة على نفسها.
ثانياً: سؤال الوطني والقومي
نشأ الأردن الحديث في سياق عربي ثائر ضد الاستعمار، حالم بالوحدة، رافض للتجزئة. هذه النشأة تركت في الجينات الثقافية للأردنيين حساسية مفرطة تجاه أي تأكيد على الخصوصية الوطنية، خشية أن يُقرأ انسلاخاً عن المحيط. لكن التجارب العربية المرة أثبتت أن بناء الدولة الوطنية القوية ليس خيانة للعروبة — بل شرطها الأساس. الأردن القوي الهوية هو وحده القادر على حمل القضية الفلسطينية بصدق، لأن من لا وطن له لا يحمي وطن غيره. هذه المعادلة تحتاج صياغة سردية واضحة لا تترك مجالاً للتأويل، تجمع بين الاعتزاز بالخصوصية الأردنية والانتماء العضوي للأمة العربية.
ثالثاً: سؤال الفجوة مع اليومي
حين تروي الدولة حكاية سبعة آلاف عام من الحضارة، بينما المواطن منشغل بارتفاع الأسعار وفرص العمل والخدمات المتراجعة، يتسع الشرخ بين النص والواقع. سبعة آلاف عام من الحضارة ورغيف خبز يبحث عن كرامته — هذه ليست مفارقة كوميدية، بل إشكال وجودي يجب أن تعالجه السردية لا أن تتجاهله. التاريخ إن لم يتحول إلى قدرة على تحسين الحاضر يصبح عبئاً رمزياً لا أكثر.
رابعاً: من يكتب السردية؟
إذا ظلّ المشروع حبيس اللجان الرسمية والخبراء المعيَّنين، ستكون النتيجة وثيقة نفتخر بها في المناسبات ثم نعيدها إلى الرف. السردية الحية تكتبها أيادٍ كثيرة: بقلم الغاضب والحالم والخائف والمتفائل، بقلم الفلاح واللاجئ والبدوي والمدني، بقلم من حارب في الكرامة ومن نزح من مخيم ومن هاجر ثم عاد. وهنا تبدو رؤية ولي العهد في تبنّي المشروع أكثر أهمية من تفاصيله التنفيذية — لكن التبني الشخصي يحمل مخاطرة: قد يُقرأ المشروع وكأنه سردية ملكية لا سردية وطنية، وكأنه توجيه من الأعلى لا حوار أفقي. المطلوب وعي دقيق بحدود دور الراعي، وإفساح مساحة حقيقية حتى لا يبقى وصاية بل يتحوّل إلى ملكية عامة.
خامساً: السياق الجيوسياسي
الأردن اليوم يواجه تهديدات وجودية تحت عنوان إحياء شعارات "الوطن البديل" في خطاب اليمين الإسرائيلي. في هذا السياق، يصبح مشروع السردية دفاعاً استباقياً عن الوجود. لكن الدفاع الحقيقي لا يحتاج رواية مثالية تخفي الهشاشات — يبدأ بالاعتراف الواقعي بالواقع، وببناء مناعة معرفية تقوم على الصدق لا على الإنكار.
بطل السردية الحقيقية ليس تمثال البطل الذي لا يخطئ ولا يتعب ولا يسأل. بطلها هو الأردني المركب: الذي يفتخر بجيشه العربي ويقلق على مستقبل أولاده، الذي يحفظ القدس في قلبه ويحلم بفرصة عمل، الذي يعتز بتاريخ أجداده ويسخر من البيروقراطية. الهوية التي تخاف تنوعها تخاف نفسها — أما الهوية الواثقة فتعترف بأن الاختلاف ليس تهديداً بل شرط نضج.
الهوية ليست تمثالاً يُنصب في ساحة، بل نهراً يُعيد رسم مجراه كلما تغيّرت الأرض — لكنه يبقى نهراً لا مستنقعاً. والسؤال الحاسم الذي يجب أن يجيب عنه هذا المشروع ليس: ماذا نقول عن أنفسنا؟ بل: هل نحن شجعان بما يكفي لنسمع ما يقوله الأردنيون عن أنفسهم؟



