ثمانون عامًا من الاستقلال…
وثمانون عامًا والأردن يكتب معناه الخاص في عالمٍ تضجّ خرائطه بالتحولات، وتثقل أكتافه الأزمات، وتتنازع فضاءه الفوضى والأسئلة الكبرى.
ومع ذلك… بقي الأردن.
بقي لأن هذا الوطن لم يُبنَ على المصادفات، بل على عقيدة دولة، وعلى قيادة هاشمية حملت مشروعًا إنسانيًا وسياسيًا وأخلاقيًا، جعل من الكرامة عنوانًا، ومن الاعتدال منهجًا، ومن الإنسان الأردني جوهر الحكاية الوطنية.
الاستقلال ليس لحظةً تاريخية انتهت… بل مسؤوليةٌ وطنيةٌ متجددة.
مسؤوليةٌ تقول إن حماية الوطن لا تكون بالشعارات المرتفعة وحدها، بل بصدق الانتماء، ونبل العمل، ووحدة الصف، والوعي العميق بأن الأردن، في هذا الإقليم المضطرب، ليس وطنًا عاديًا… بل قيمةٌ يجب أن تُصان، ودولةٌ يجب أن تبقى قويةً منيعةً متماسكة.
وأنا ابنُ البترا…
ابنُ المدينة التي علّمت العالم أن البقاء لا يكون للأكثر ضجيجًا، بل للأكثر رسوخًا.
من البترا تعلّمنا أن البناء يحتاج صبرًا، وأن المجد لا يصنعه المترددون، وأن الأمم العظيمة لا يرفعها أفرادٌ يعملون لأنفسهم، بل شعبٌ يعمل لوطنه، ويفهم أن قوة الدولة تبدأ من قوة تماسكها الداخلي، ومن التفاف أبنائها حول قيادتها ومؤسساتها وثوابتها الوطنية.
وفي عيد الاستقلال المجيد، فإننا أحوج ما نكون إلى ترسيخ حقيقةٍ وطنيةٍ كبرى:
أن وحدة الصف ليست خيارًا موسميًا… بل ضرورة وجود.
وأن الانتماء الحقيقي لا يُقاس بحجم الكلمات، بل بحجم المسؤولية التي نحملها تجاه وطننا.
وأن الولاء الصادق للقيادة الهاشمية لا يكون فقط في المناسبات، بل في الميدان؛ في الأمانة، والإتقان، والنزاهة، والعمل المخلص، والدفاع عن صورة الوطن، وحماية منجزاته، والإسهام في رفعته، كلٌّ من موقعه، وكلٌّ ضمن مسؤوليته.
فالأردن لا يطلب من أبنائه المستحيل…
يطلب منهم فقط أن يكونوا أردنيين بحق.
أن يزرعَ المعلّمُ الوعيَ والعلمَ في وجدان الأجيال…
وأن يبقى الطبيبُ وفيًّا لرسالة الشفاء وكرامة الإنسان…
وأن يحرسَ الجنديُّ حدودَ الوطن وسيادته بعينٍ لا تغفل…
وأن يجعلَ الموظفُ من الأمانةِ والإتقان منهجًا في خدمة الدولة…
وأن يحملَ الممرّضُ رسالتَه الإنسانية بعلمٍ ورحمةٍ وضميرٍ لا يساوم…
فالوطن لا يبنيه شخصٌ واحد، ولا مؤسسةٌ واحدة؛ بل تبنيه سواعد المؤمنين به، أولئك الذين يدركون أن رفعة الأردن ليست مهمة الحكومة وحدها، بل مشروع وطنٍ كامل.
وفي المجلس التمريضي الأردني، نؤمن أن خدمة الإنسان جزءٌ أصيل من خدمة الوطن، وأن الارتقاء بالمهنة، وتعزيز الكفاءة، وترسيخ المهنية، ليست أهدافًا قطاعية فحسب، بل مساهمة مباشرة في بناء الأردن الذي نريد؛ الأردن القوي بمؤسساته، المتقدم بكفاءاته، المنيع بوحدته الوطنية.
وفي هذا اليوم الوطني الخالد، نقف بكل الاعتزاز والفخر خلف القيادة الهاشمية الحكيمة، بقيادة حضرة صاحب الجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، حامل الأمانة الوطنية، وقائد مسيرة التحديث والبناء، وسمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، رمز الحضور الشبابي الواعي، ورهان المستقبل الأردني.
إن الالتفاف حول القيادة ليس موقفًا سياسيًا عابرًا؛ بل تعبيرٌ عن فهمٍ عميق لطبيعة الدولة الأردنية، وإيمانٌ بأن قوة الوطن في تماسك جبهته الداخلية، وفي وعي أبنائه بأن الاختلاف لا يفسد الانتماء، وأن التحديات لا تُواجه إلا بوطنٍ موحد، وشعبٍ متماسك، وقيادةٍ يُستند إليها.
ثمانون عامًا من الاستقلال…
وما يزال الأردن يعلّمنا أن الأوطان لا ترتفع إلا بأبنائها.
فلتكن هذه المناسبة عهدًا متجددًا…
أن نحمل الأردن في ضمائرنا قبل كلماتنا.
أن نكون أوفياء للوطن بالفعل لا بالادعاء.
أن نصنع النجاح من مواقعنا المختلفة.
أن نرفع اسم الأردن عاليًا بالعلم والعمل والإنجاز والانضباط.
وأن نبقى، كما أرادنا الهاشميون دائمًا…
شعبًا يعرف قيمة وطنه، ويحسن حمل رسالته، ويؤمن أن الأردن أكبر من المصالح الضيقة، وأبقى من الظروف العابرة، وأغلى من كل الحسابات.
حمى الله الأردن…
حصنًا عربيًا هاشميًا شامخًا…
وأدام استقلاله عزًا يتجدد، ومجدًا لا يشيخ.
بقلم ابن البترا
الأستاذ الدكتور هاني النوافلة



