بينما يتجه العالم اليوم نحو الموانئ الذكية وسلاسل التوريد الرقمية، وتتسارع حركة الملاحة العالمية وفق منطق الزمن الذي أصبح العملة الوحيدة غير القابلة للاسترداد في عالم النقل البحري، ما زال قانون التجارة البحرية الأردني رقم 12 لسنة 1972 يقف عند لحظة تشريعية وُلد فيها في سياق مختلف تمامًا عمّا نشهده اليوم.
لقد شهد عام 2006 تشكيل لجان ودراسات متخصصة لمراجعة القانون البحري، وأُنجزت مسودات وتعديلات، وتنقل المشروع بين ديوان التشريع ورئاسة الوزراء، إلا أنه ما يزال قيد الدراسة حتى اليوم. والمفارقة أن أي نص يُقرّ بصيغته التقليدية الآن سيولد متأخرًا عن ركب التطور، لأن حركة النقل البحري تتغير بوتيرة أسرع من دورة التشريع التقليدية.
من هنا، فإن التحديث لا ينبغي أن يكون تعديلًا جزئيًا، بل إعادة صياغة شاملة تقوم على أسس رقمية (Digital-Based Legislation)، تعترف بالعقود الإلكترونية، وسندات الشحن الرقمية، وتنظم النقل متعدد الوسائط، وتواكب التطورات التقنية في تعاقدات السفن والتبادل الفوري للبيانات بين الموانئ.
ولأهمية موقع العقبة الاستراتيجي، بات تحديث التشريع البحري من أولى الأولويات الوطنية، ليواكب مكانة الميناء ويضاهي الموانئ الكبرى في المنطقة. فالتشريع الحديث لا يحقق رفاهية شكلية، بل يختصر الزمن، ويخفض الكلفة، ويمنح المصدرين والمستوردين الأردنيين قدرة تنافسية تنعكس في نهاية المطاف على المستهلك.
كما أن مواءمة التشريع الوطني مع الاتفاقيات الدولية الحديثة، مثل اتفاقية روتردام و*اتفاقية هامبورغ*، أصبحت ضرورة لضمان التوازن بين حماية التاجر الأردني والناقل الدولي، وتعزيز اليقين القانوني في المعاملات البحرية.
أما على صعيد تسوية المنازعات، فإن وجود مركز تحكيم البحري متخصص في الإمارات العربية المتحدة و مصر عزز مكانتهما كمراكز إقليمية للنزاعات البحرية.
ومن هنا، تبرز الحاجة الملحّة لاستحداث مركز تحكيم بحري أو مكتب تحكيم متخصص في العقبة، بما يخفف العبء عن المحاكم النظامية، ويجنب الأطراف اللجوء إلى محاكم بعيدة جغرافيًا، ويحقق سرعة الفصل التي تقتضيها طبيعة هذا القطاع.
إن وجود مركز تحكيم بحري في العقبة بات ضرورة عملية تواكب خصوصية الميناء بوصفه المنفذ البحري الوحيد للأردن. فبدل أن تُنظر بعض المنازعات في محاكم خارج نطاق الاختصاص المكاني الطبيعي للنشاط البحري، يصبح من المنطقي استحداث ذراع قضائي وتحكيمي متخصص داخل العقبة ذاتها، يعكس خبرة فنية متراكمة ويعزز الثقة الاستثمارية.
إن تحديث قانون التجارة البحرية اليوم يجب أن يكون أولوية تشريعية ملحّة، لا مشروعًا مؤجلاً في الأدراج. فالقانون البحري هو مرآة لقدرة الدولة على مواكبة الاقتصاد العالمي.
والبحر لا ينتظر… وكذلك التجارة.



