*
الخميس: 05 فبراير 2026
  • 05 فبراير 2026
  • 14:44
تحولات سوسيولوجيا الضمان الاجتماعي إعادة تعريف الشيخوخة  الاستحقاق  الحماية  والجباية
الكاتب: د.ايات الشاذلي

هناك فكرة تراودني كلما تعمقت في أرقام الضمان الاجتماعي. إنها ليست مجرد جداول بيانات، بل هي قصص حياة مضغوطة في أعمدة وأرقام. هي قصة مجتمعنا، أحلامه ومخاوفه، وعقده الصامت الذي يربطنا ببعضنا البعض. اليوم، أشعر أن هذا العقد يتمزق بهدوء، ليس بفعل مؤامرة، بل تحت وطأة حقيقة بسيطة: لقد تغيرنا، والعالم تغير، لكن قواعد اللعبة ظلت على حالها.

كل شيء يبدأ من الشيخوخة. لقد ورثنا صورة نمطية عن المتقاعد كشخص أنهى رحلته، ينتظر بهدوء على هامش الحياة. يا لها من صورة مغلوطة وظالمة. أنظر حولي فأرى جيلاً من “كبار السن” يرفضون هذا القالب. إنهم ليسوا مجرد أرقام في إحصائية تقول إن متوسط العمر المتوقع عالمياً قفز إلى 73.3 عاماً. لا. إنهم جدي الذي لا يزال يصلح كل شيء في المنزل، وجارتي التي تدير جمعية خيرية بعد تقاعدها من التدريس. في بلدي الأردن، حين أعلم أن 15.1% ممن تجاوزوا الستين يحملون شهادة جامعية، أدرك حجم الخبرة التي نجبرها على الجلوس في المنزل. نحن نطلب من محركات قوية أن تتوقف عن الدوران في ذروة عطائها.

وهذا يقودني إلى كلمة “الاستحقاق”. كلمة رنانة، لكنها أصبحت تتطلب وقفة تأمل. لقد ربينا على أن المعاش التقاعدي حق. وهو كذلك. لكن كيف يمكن لأي حق أن يستمر إذا كان النظام الذي يضمنه يواجه تحديات استدامة؟ عندما أقرأ أن نسبة الإعالة في الدول المتقدمة ستصل إلى درجة أن كل ثلاثة عاملين سيعيلون متقاعدين اثنين بحلول 2075، فإن السؤال المنطقي الذي يطرح نفسه هو: هل الهيكل الحالي قادر على تحمل هذا التحول الديموغرافي؟ وهل من العقلانية أن نتوقع استمرار نفس مستوى المنافع دون تعديل في المتغيرات الأخرى كسن التقاعد أو قيمة الاشتراكات؟ لقد تحول الاستحقاق من مفهوم مطلق إلى متغير يعتمد على معادلة جماعية.

ثم نصل إلى “الحماية”. ما هي الحماية الحقيقية؟ هل هي مجرد شيك يصل في نهاية الشهر؟ إن التحليل يقودنا إلى أن الخوف لا يقتصر على الفقر في الشيخوخة، بل يشمل فقدان القيمة والشعور بعدم الفعالية. الحماية الفعالة قد تكون في تمكين الإنسان من البقاء منتجاً، والاستثمار في صحته ليعيش سنواته الإضافية بنشاط. عندما أعلم أن أكثر من نصف القوى العاملة في بلدي، حوالي 54%، تعمل في الظل، خارج أي مظلة حماية، أتساءل عن كفاءة شبكتنا الحالية. هل هي مصممة لواقعنا الاقتصادي، أم أنها لا تزال تعمل بافتراضات لم تعد قائمة؟

وهنا يكمن عبء “الجباية”. الكلمة التي لا يحبها أحد. نحن نطلب من الشباب، الذين يكافحون لبدء حياتهم في اقتصاد صعب، أن يدفعوا المزيد والمزيد لتمويل نظام لم يصمم لواقعهم. هذا ليس حلاً، إنه تأجيل للمشكلة وخلق لشرخ بين الأجيال. أشعر أننا يجب أن نكون أكثر إبداعاً. لماذا لا نفكر في تمويل التضامن الاجتماعي من مصادر أخرى؟ من أرباح رأس المال الذي لا يشيخ، أو من ضرائب على الاستهلاك المفرط الذي يضرنا جميعاً؟ يجب أن يتوقف عبء إبقاء العقد الاجتماعي حياً عن الوقوع بشكل شبه كامل على كاهل العمل والعمال.

إن ما أراه ليس مجرد أزمة مالية. إنها أزمة في الخيال. نحن عالقون في تعريفات القرن العشرين بينما نعيش تحديات القرن الحادي والعشرين. الضمان الاجتماعي ليس مجرد أرقام، إنه فلسفة. إنه إجابتنا كمجتمع على سؤال: كيف نعتني ببعضنا البعض؟ وإذا كانت إجابتنا الحالية لم تعد تعمل، فليس هناك عيب في الاعتراف بذلك. العيب هو أن نغمض أعيننا، ونتظاهر بأن كل شيء على ما يرام، بينما السفينة تغرق ببطء.

 

مواضيع قد تعجبك