قبل أي خطوة، يجب الاعتراف بأن هدوء الأردن اليوم ليس استقرارًا، بل سكون يُراد منه تهدئة الشارع وطمأنة الخارج، وأن الصمت الطويل وإدارة الوقت الممتدة تتحول إلى إدارة للفراغ.
هذا الفراغ، كما أظهرت تجربة «الجلدة» في كل بيت أردني، قد يكون السبب الرمزي في غلق عنق الزجاجة الاقتصادية للدولة! فالشريان أو «البربيش» المطلوب منه ضخ الطمأنينة بدل الفعل صار عاجزًا عن أي إنتاج حقيقي، والشفافية بلا مضمون، والكبس بلا روح، والمفتاح الإنجليزي مجرد رمز للاحتياط!
لم يسخر الناس من الأسطوانة الجديدة فقط، بل من فكرة الإنجاز حين يُختزل إلى تفصيل قابل للتسويق!
تعليقات المواطنين على مواقع التواصل، والضحك الساخر من «البربيش الكبس» و«الجلدة» والمفتاح الإنجليزي؛ لم تكن مجرد مزاح، بل آخر أشكال مقاومة ذكية حين تعجز الأسئلة الكبرى عن المرور. وهذا درس سيادي أول: الدولة التي تحاول إدارة الفراغ بلا خطة واضحة لن تنتصر إلا على نفسها!
تفكيك هذا السكون يتطلب أولاً الإيمان بأن السيادة الحديثة ليست مجرد حماية للحدود، بل قدرة الدولة على تحويل الانتظار السلبي إلى اشتباك منتج.
الأردن، بموقعه الجيوسياسي في عين العاصفة، مدعو لتقديم نفسه كمنصة إقليمية لا غنى عنها لخدمات الاستقرار، محولًا الحياد من صمت وتوجس إلى حياد إيجابي يفرض مصالحه على طاولات الكبار. لكن لا يكفي التوجه الدبلوماسي فقط؛ فالاقتصاد الوطني يحتاج إلى كسر دائرة «الاقتصاد الدوار» الذي يستنزف الموارد دون إنتاج محسوس، وتحويل الحوافز مباشرة نحو الإنتاج.
هذه الخطوة تعيد للشارع ثقته بالدولة، وتحوّل اليأس الناتج عن وعود الإصلاح الفارغة إلى طاقة إنتاجية ملموسة، ويُظهر أن المبادرة هي ما يعيد للدولة نبضها الحقيقي، وليس مجرد رمزية "البربيش والكبس" والاسطوانة الجديدة القديمة!
الورقة البيضاء المطلوبة هنا، لا تقتصر على السياسة والاقتصاد فقط، بل تشمل الحياة السياسية نفسها تحت قبة البرلمان، فالجلسات الروتينية يجب أن تتحول إلى منصات مصارحة صادقة تضع المواطن أمام خارطة طريق واضحة، تربطه بالإنتاج والتحديث السياسي، وتحوّل حالة "هدوء التعب" إلى ضجيج البناء والعمل، بحيث تصبح مكاشفة التحديات جزءًا من لغة الدولة الجديدة.



