أحمد عبيدات ؛ رئيس الوزراء الأسبق ومدير مخابرات المملكة لثماني سنوات من أخطر ما مر من سنوات على الأردن ؛ ووزير الداخلية في زمن الأحكام العرفية … يشيع بكل هذا الحب الشعبي ؛ وينعاه الأردنيون من شتى الأصول والمنابت ؛ والسياسيون من مختلف التوجهات ؛ ومن مختلف الأجيال ؛ الجيل الذي واكب تأسيس الدولة معه ؛ والجيل الذي كان شاباً حين كان الباشا صاحب اعلى سلطة في البلاد بعد الملك الحسين ؛ والجيل الذي جاء بعد ان ترك الباشا مناصب السياسة !
هذه الحالة يجب ان تأخذ حقها من الدراسة والتحليل ؛ ولو كنت مسؤولا في الدولة حالياً لراجعت هذه الحالة ألف مرة … متمنيا ان يترحم علي الناس حين ارحل عن هذه الدنيا بمثل ما ترحموا على هذا الرجل المحترم ! فليس سهلاً ان يحب الناس رجل سلطة من زمن صعب ؛ والأصعب من ذلك ان يحبه الناس بعد ان خرج من المسؤولية اكثر ؛ ليأتي رحيله فنعرف رصيد محبة الناس الحقيقية للباشا الراحل!
لا اعتقد ان ذلك مرده فقط للمواقف السياسية ؛ علما ان مواقفه رحمه الله مشهودة وتاريخية ؛ ومنها - وربما ليس أهمها - انه عارض بصراحة اتفاق السلام واستقال من مجلس الأعيان رافضاً إقراره واعتزل العمل السياسي الرسمي بعدها وعلى إثرها ؛ ومنها تبنيه اثناء توليه رئاسة الوزراء قانون " من اين لك هذا " لمكافحة الفساد ومحاربته حربا حقيقية رادعة ! ولعل من أهمها مواقفه في رئاسته للمركز الوطني لحقوق الإنسان … ومهارته في اخراج الميثاق الوطني الأردني ذات ازمة سياسة محلية خطيرة بلا خسائر في جبهة النظام وبمكاسب شعبية وحزبية كبيرة في نفس الوقت ببراعة يقل نظيرها!
ومع ذلك لا زلت لا اعتقد ان ذلك هو السبب ؛ وقد تابعت باهتمام ما كُتِب عنه بعد وفاته وقبلها بأيام في مرضه الأخير ؛ لأجد ايضا الكثير من القصص الإنسانية حوله ؛ وأثناء خدمته العامة ؛ يساعد الناس في حالاتهم ضمن صلاحياته دون اي تفريط بحق الدولة او امنها … وتذكرت سيره في مقدمة مسيرات الإصلاح قبل سنوات خلت في بداية الربيع العربي رئيسا لجبهة الإصلاح التي ضمت طيفاً واسعاً لم يكن ليصمد في إطار واحد لو لم يكن عبيدات فيه ؛ وتذكرت انني كنت حين ألحظه في المسيرة بسنه السبعيني اشعر بالأمان : لانني أثق ان وجوده فيها لم يسمح للمتظاهرين بالتجاوز على الدولة ؛ ولن يسمح للمتربصين بالإيقاع بين الأمن والناس ! فقد كان ذو احترام ومهابة رحمه الله ويعرف كيف يضبط إيقاع الشارع ؛ ويعرف ان من بين المعارضة من يحب الوطن ؛ ومن يتمنى ان يكون جنديا في جيشه حتى !
وايضاً لا اعتقد ان ذلك السبب …. بل اظن في هذه الحالة ان السبب هو كل هذه الاسباب مجتمعة ؛ وقبلها وبعدها انه يشبهنا ! هو رجل يشبه كل الناس : اردني يحب فلسطين رفض التنازل عن اي شبر منها ؛ يحب الوطن وخدم وطنه وقيادته بكل إخلاص ونظافة يد ؛ لم يهن كرامات الناس رغم كل السلطة التي كانت بين يديه ؛ ولم يفرط في امن الوطن ؛ توخى كثيرا ان لا يظلم الناس … عارض السياسات لكنه لم يعارض النظام يوماً ؛ ولم يعارض الدولة أبداً … وبقي رجل القانون الذي يعرف الحد الفاصل بين التعبير عن الرأي والتحريض ؛ لم يكتف بمحاربة الفساد بل حاول ان يضع قانونا رادعاً للفساد ومانعاً له قبل حدوثه !
ببساطة كان احمد عبيدات رجلاً منسجماً مع نفسه في كل المناصب التي تبوأها ! الشاب القروي الذي اصبح معلما ثم ضابطا في الجنائية ثم ضابطا في المخابرات وصولا إلى مدير مخابرات ووزير داخلية ورئيس للوزراء! لكنه بقي محتفظاً بكرامة المعلم ؛ وشرف الجندية ؛ والحس الوطني العالي بتقديم المعلومات ال صحيحة دون نفاق ؛ واحتفظ بهيبته حفظاً لهيبة الدولة التي كان يوما رئيسا لوزرائها! لذلك جاء احمد عبيدات بكل هذا الرصيد من المحبة ! لانه ببساطة لم يتغير وبقي شريفاً نظيفاً ، لم يستثمر في الوظيفة العامة ؛ ولم يستثمر بعواطف الناس حين اختارته القوى الوطنية المختلفة رئيسا لجبهة الإصلاح … وقدّم مصلحة الوطن على كل شيء في كل لحظة من عمره بشجاعة ورأي صريح بلا نفاق ولا تزلف !
التقيت الباشا في عزاء والدي لثاني مرة رحمهما الله ؛ وقد قال فيه خيراً وعدد مناقب " ضمير الصحافة " كما وصفه … والتقيته قبلها وبعدها وهو في المركز الوطني لحقوق الإنسان … ولم تسنح لي الفرصة ان اعرفه اكثر او اسمع منه اكثر من بضع كلمات عامة ذات انتخابات … لكنني عرفته بطريقة غير مباشرة حين تعرفت لأنجاله وخبرتهم واختبرت مهنيتهم … فأشهد انه كبّر و ربّى شباباً يفاخر بهم الدنيا … تعازينا الحارة لهم … ولجميع محبي الباشا على امتداد الوطن … ولعله في رحيله يحفز رجالات الدولة ان يتشبهوا فيه!



