يمثل الحراك السياسي والاجتماعي في أي دولة دليلا على حيوية مجتمعها وقدرته على التطور والنقد البناء. وفي السياق الأردني، تبرز أهمية تيار المعارضة الهادفة التي تسعى للإصلاح والتطوير دون المساس بالجذور الأساسية التي تشكل هوية الدولة واستقرارها، وهي الولاء والانتماء للوطن. إن تحقيق التوازن بين ممارسة الحق الدستوري في النقد والمعارضة من جهة، والحفاظ على اللحمة الوطنية والمؤسساتية من جهة أخرى، هو التحدي الأبرز الذي يواجه المشهد السياسي الأردني المعاصر.
تتمحور الفلسفة وراء المعارضة الهادفة حول إدراك أن الوطن، المتمثل في الدولة الأردنية ومؤسساتها الشرعية، هو المظلة الجامعة التي تعلو فوق أي خلافات حزبية أو فئوية. هذا الإدراك يفرض على المعارضة أن تكون مسؤولة، تهدف إلى تحسين الأداء الحكومي ومعالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية، وليس هدم أسس الدولة أو التشكيك في شرعيتها. الولاء للوطن هو القيمة العليا التي لا يمكن التفاوض عليها، وهو الضمانة الرئيسية للاستقرار في منطقة تتسم بتقلبات جيوسياسية حادة.
تاريخيًا، مر الأردن بمراحل مختلفة ظهرت فيها أشكال متعددة من المعارضة. فمنذ نشأة الإمارة وحتى اليوم، كانت هناك دائمًا قوى سياسية وأهلية تمارس حق النقد. لكن المعارضة الهادفة تختلف عن المعارضة التخريبية أو التي تستمد أجندتها من الخارج. المعارضة الهادفة تنطلق من رؤية وطنية خالصة، تستند إلى الدستور والنظام الملكي الدستوري كإطار عمل مقبول يتفق عليه الأغلبية الساحقة من الشعب الأردني. هدفها هو دفع عجلة الإصلاح الديمقراطي والاقتصادي قدمًا، عبر تقديم بدائل واقعية ومقترحات قابلة للتطبيق، وليس مجرد إطلاق الشعارات أو التشكيك في النوايا الوطنية.
إن الفصل بين المعارضة والولاء يتطلب نضجًا سياسيًا كبيرًا من طرفي المعادلة: الحكومة والمعارضة. فمن جهة، يجب على الأجهزة الرسمية أن تفتح مساحات آمنة وحقيقية للمعارضة للتعبير عن آرائها ومخاوفها دون خوف من التضييق أو الملاحقة غير المبررة. هذا الفضاء الآمن يعزز الشرعية الوطنية للمؤسسات ويحول النقد إلى طاقة بناءة. فالمعارضة التي تشعر بأنها مسموعة هي معارضة أكثر التزامًا بالمسار الوطني.
ومن جهة أخرى، يقع العبء الأكبر على عاتق القوى المعارضة نفسها. يجب عليها أن تتبنى أدوات العمل المؤسسي والبرلماني والرأي العام كساحات رئيسية للنقاش. المعارضة الهادفة تتجنب الخروج عن الإطار الدستوري أو اللجوء إلى أعمال تزعزع الأمن العام أو تخدم أجندات خارجية تسعى لضرب الاستقرار الداخلي. على سبيل المثال، عند الحديث عن القضايا الاقتصادية الحساسة مثل ارتفاع الأسعار أو الضرائب، يجب أن تركز المعارضة على اقتراح بدائل تمويلية شفافة وعادلة، بدلاً من الدعوة إلى عصيان مدني قد يؤدي إلى فوضى تضر بالمصالح الوطنية العليا وتستغلها جهات تسعى لتقويض الدولة.
في الأردن، يمثل مفهوم "الوطنية الأردنية" حاجز صد ضد الاستقطاب الطائفي أو المناطقي، وهذا يوفر أرضية صلبة لنموذج المعارضة الملتزمة. غالبًا ما تتمحور أبرز الملفات التي تطرحها المعارضة حول قضايا الفساد، والحاجة إلى تعزيز الشفافية ومحاسبة المسؤولين، وإعادة هيكلة الاقتصاد لتقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية وتوفير فرص عمل للشباب. هذه القضايا، عندما تُطرح بروح وطنية، لا تمس جوهر الولاء، بل هي في الحقيقة تعبير عن رغبة في تقوية الدولة وتحصينها ضد نقاط الضعف الداخلية.
لكن التحدي يظهر عندما تحاول بعض التيارات، تحت ستار المعارضة، تمرير أجندات إقصائية أو استبدالية تتجاهل التوافقات الوطنية العميقة، خاصة فيما يتعلق بالعلاقة بين القيادة والشعب والمؤسسات الأمنية. إن التشكيك في دور القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، التي تعد صمام الأمان في المملكة، هو خط أحمر يتجاوز حدود المعارضة البناءة ليصبح اعتداءً مباشرًا على منظومة الولاء والانتماء. المعارضة الفعالة تدرك أن قوة الدولة في استقرارها، وأن استقرار الدولة مرهون بدعم مؤسساتها الحامية.
إن النجاح في ترسيخ المعارضة الهادفة يتطلب أيضًا استراتيجية واضحة للخطاب العام. يجب أن يكون الخطاب موجهًا نحو المستقبل، يركز على الحلول بدلاً من الماضي، ويستخدم لغة تحريضية قليلة. عندما تتبنى المعارضة لغة بناءة، فإنها تكسب ثقة شريحة أوسع من المجتمع، وتكون أكثر قدرة على التأثير في صنع القرار العام. هذا النوع من المعارضة يعزز ثقافة الحوار والتعددية التي يحتاجها الأردن للمضي قدمًا في مسيرته الإصلاحية الطموحة.
في الختام، لا يمكن فصل النقد البناء عن الانتماء للوطن في التجربة الأردنية. المعارضة الهادفة هي شريك ضمني في بناء الدولة القوية والمزدهرة، شريك يمارس حقه الدستوري في المراقبة والمحاسبة، لكنه يضع دائمًا مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. الولاء الأردني يظل هو الميثاق الأسمى الذي يحدد إطار عمل أي معارضة مشروعة. طالما بقيت المعارضة ملتزمة بتعزيز مؤسسات الدولة الشرعية ومكتسبات الوطن، فإنها تظل قوة دافعة للإصلاح وليست مصدر تهديد للاستقرار. إن المستقبل يتطلب من الجميع، حكامًا ومحكومين، تعميق فهمهم بأن الحرية السياسية لا تعني التخلي عن المسؤولية الوطنية.



