وحين نقول نحبُّه، فإننا لا نُعلن عاطفة، بل نُصدر حكمًا تاريخيًا مكتمل الأركان!
نقولها كاملة غير منقوصة، بملء الفم والإرادة لا بضغط اللحظة، ونقولها بوعي من يعرف أن الحب الذي لا يُختار لا يحمي دولة! وأن الولاء الذي يُنتزع من الحناجر لا يصنع شرعية، بل يُراكم كراهية مؤجّلة تنتظر أول تصدّع!
نحبّه كما تحبّ الزهرةُ الندى، لا لأنه جميل فقط، بل لأنه شرط حياة لا زينة صباح!
وكما تحبّ النغمةُ المدى، لا لأنه بعيد، بل لأنه المساحة التي يكتمل فيها الصوت ويستحق أن يُسمَع!
وكما يحبّ النهرُ ماءه الذي تعوّدا؛ لأنه إن خانه صار مجرّد أخدود جافّ في ذاكرة الأرض!
نحبّه.. لأننا عشنا زمنًا انكشفت فيه الحقائق عارية، وفهمنا أن الوطن ليس فندقا، وأن العلم ليس قطعة قماش، وأن السيادة ليست نشيدًا؛ بل هي رجلٌ واحد، إذا اختلّ اختلّ الميزان، وإذا ثبت استقام المعنى، وإذا خان خان الجغرافيا والتاريخ معًا!
كلمة "بنحبك"! لم تنتزع من حناجرنا؛ هي الصوت الحر الذي يوقّع على عقد اجتماعي غير مكتوب، وهي الرفض العميق لأن تتحول إلى طقس أجوف؛ كما حدث لجار أجبر شعبه على ترديد هتاف "منحبك"!؛ بينما التسجيلات السرية المسربة كشفت لاحقًا سخرية هذا الرئيس من دماء أبناء شعبه، واستخفافه بجيشه، وتقايضه مع الميليشيات على سيادة وطنه، ودوسه كل الخطوط الحمراء ليبقي الكرسي واقفًا فوق أنقاض الكرامة والمعنى! هناك حين دخلت كل خيانات الليل إلى حجرة بلاده، ووقف خلف الباب يستمع... ويساوم!
أما هنا، فلم يُستعمل الوطن مرة درعًا لنجاة شخصية؛ بل كان القائد هو من جعل نفسه رهينة لبقائه، وضامنًا لسلامته!
نحبّه لأننا رأينا كيف تُدار الاستحالة بلا صخب، وكيف يُروَّض الخطر بالعقل لا بالاستعراض، وكيف يتحوّل المستحيل، حين يمرّ بعقله، إلى مسارٍ قابل للحياة لا إلى فوضى في الشارع!
الأردن في عهده لم ينجُ لأنه الأقوى، بل لأنه الأوعى؛
ولم يصمد لأنه الأغنى، بل لأنه الأوضح؛
ولم يبقَ لأنه محصَّن، بل لأنه مفهوم من قائده قبل أن يكون مفهومًا من العالم!
نحبّه لأن الجغرافيا عنده ليست لعنة، بل امتحانًا أخلاقيًا دائمًا!
ولأن الفقر والندرة والشح لم يكونوا أبدا عارًا، بل موادا لصناعة الكرامة!
ولأن الضيق لم يُنتج هستيريا سياسية، بل أنجب حكمةً تمشي على قدمين، وتحفظ الاتزان في إقليم فقد أعصابه!
نحبه لأنه ابقى الخيط بينه وبيننا مشدودًا...
ليس قيدًا يلتفّ على الأعناق،
ولا واهيًا تلتهمه أول ريح،
بل رابطًا خفيًّا مشدودًا على منسوب الحكمة؛
إذا ارتخى تهدّم السقف،
وسقط المعبد على الجميع!
نحبّه لأن الحكم في قاموسه ليس إدارة أزمة، بل فن منع الانهيار قبل أن يُسمّى انهيارًا!
ولأن قراراته ليست ردّة فعل، بل فعل استباقي يعرف أين يضع قدمه قبل حتى أن تتحرك الأرض!
نحبّه لأن العدل عنده ليس زينة خطاب، بل نسبٌ هاشميٌّ لا ينقطع.
ولأن الكرامة الإنسانية عنده ليست هامش سياسة، بل أصل الشرعية كلها!
نحبه لأن الأردن في عهده لم يتضخم حتى يختنق، ولم ينكمش حتى يختفي، بل بقي بحجمه الطبيعي… قادر على التنفّس وسط حقل عواصف!
نحبّه لأننا حين نختلف لا نخاف، وحين ننتقد لا نُخوَّن، وحين نقلق لا نلغى ونُسحق!
نحبه لأن علاقتنا معه لم تُبنَ على الهتاف، بل على معرفة متبادلة:
شعب يعرف حدود لحظته، وقائد يعرف ثقل مسؤوليته!
نحبّه لأن الشباب في عهده لم يكونوا ديكور مستقبل، بل مادته الخام!
ولأن العقل البشري عنده أصل سيادي لا ترفًا ثقافيًا!
ولأن الحلم لم يُترك ليُذبح في الممرات، بل وُضع في قلب الدولة كرهان وجود!
وبمناسبة عيد ميلاده الرابع والستين، لا نقف لنعدّ السنوات، بل لنقرأ المسار؛
مسار دولة اختارت العقل حين جنّ الإقليم،
والاتزان حين انفلتت الخرائط،
والصبر الفاعل حين صار الضجيج سياسة!
وجوده على رأس الدولة لم يكن تفصيلاً زمنيًا عابرًا،
بل وتد الخيمة الذي إذا ثَبَتَ استقرّت،
وعمودها الأخلاقي الذي يحمل السقف حين يثقل،
ومظلّة الأمان التي لا تُرى لكنها تمنع العاصفة من اقتلاع البيت،
وبوصلةَ المعنى في زمن تاهت فيه الاتجاهات قبل الخرائط!
نحبّه لأنه لم يعدنا بالفردوس، بل لانه حمانا من الجحيم!
ولأنه لم يبعنا الأوهام، بل صان قدرتنا على الاستمرار..!
وتلك، لمن يفهم التاريخ، أعلى درجات البطولة!
نحبّه...
لا لأننا نحبّ قائدًا،
بل لأننا نحبّ وطنا لم يخن نفسه!
ولأننا نحبّ فكرة الحكم حين تنجو من الابتذال!
ونحبّ المعنى حين يُحرس ولا يُستغل!
نحبّه...
لأننا، حين نلفظ اسمه،
لا نستعير صوتًا،
ولا نؤدّي طقسًا،
بل نوقّع وعيًا جماعيًا يقول:
هنا دولة بقيت،
وهنا فكرة صمدت،
وهنا وطنٌ… لم ينكسر..
هنا...الأردن!



