أصعب ما في هذه الحياة ليس الوقوع في الخطأ، بل ما يأتي بعد ذلك، فالخطأ قد يكون لحظة ضعف أو قرارًا متسرّعًا أو حتى سوء فهم أو اجتهادًا لم يُصب، ولكنَّ المجتمع في كثير من الأحيان لا يتعامل مع الخطأ على هذا الأساس الإنساني، بل يحوّله إلى محاكمة مفتوحة وساحة إدانة لا تنتهي.
ما إن يزلّ الإنسان، حتى تتكاثر السكاكين من حوله، نعم تتكاثر سكاكين الكلام وسكاكين الأحكام وسكاكين التشهير، ونصدر الأحكام دون أن نسأل: لماذا أخطأ؟ ولا نحاول أن نلتمس له عذرًا، كما قال السلف الصالح «التمس لأخيك سبعين عذرًا»، بل يصبح الخطأ هو هويته الجديدة، وتُختزل سنوات من الخير في لحظة واحدة.
في زمن مواقع التواصل الاجتماعي، لم يعد الخطأ شأنًا شخصيًا أو موقفًا عابرًا بل مادة جاهزة للتداول، والنشر، والتحليل، والسخرية، وربما التشويه، يُكتب عنه، يُتداول، يُعاد نشره، وتُضاف إليه التأويلات والاتهامات، حتى يفقد حقيقته الأولى، والأسوأ من ذلك، أننا نتجاوز حدود النقد إلى اقتحام الحياة الشخصية، وكأنَّ الخطأ منحنا حقّ الوصاية على الآخرين.
ننسى – أو نتناسى – أن الإنسان قد يخطئ دون أن يكون ظالمًا، وقد يتخذ قرارًا ضعيفًا دون أن يكون شريرًا، ليس كل من أخطأ فاسدًا، ولا كل من تعثّر يستحق الإقصاء، والمؤلم أكثر، حين يأتي الجرح من الأقرب، من شخص منحته ثقتك، أو أعطيته قلبك، أو وقفت إلى جانبه يومًا، فتتفاجأ أنه لا يقف معك، لا يواجهك، لا يشرح، لا يسأل، بل ينسحب بصمت، أو ينضم إلى صفّ المُدينين. لا يقول: "أحبك لكن أخطأت" ،ولا يقول: "دعنا نفهم ما حصل" بل يختار أسهل الطرق: التخلي.
وهنا يبرز سؤال مؤلم: ما نوع البشر الذين نريد أن نكون؟ هل نريد أن نكون من أولئك الذين ينتظرون الزلّة ليُسقطوا الآخرين؟ أم من الذين يمسكون بأيدي بعضهم البعض وقت السقوط؟ صدقوني المجتمع السليم لا يقوم على فضح الأخطاء، بل على تصويبها، ولا يقوم على كسر الإنسان، بل على تقويمه، فالنقد واجب، نعم، لكن الفرق كبير بين النقد والتشهير، وبين التوجيه والتجريح، وبين النصيحة والشماتة.
نحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى الرحمة، لا إلى القسوة، إلى الفهم لا إلى التسرّع في الأحكام، إلى أن نتذكر أننا جميعًا قابلون للخطأ، وأن الدور قد يأتي علينا في أي لحظة؛ فلو كنا مكانه، هل كنا سنقبل أن تُسلَّط علينا الأضواء وأن تُفتَّش حياتنا وأن يُختزل وجودنا كله في غلطة واحدة؟
الحياة لا تحتاج منَّا مزيدًا من القسوة، وإنما نحتاج أن نكون يدًا تُمسك لا سكينًا تُشهَر، فالأحكام التي نطلقها على الآخرين في ضعفهم، قد نقف يومًا تحت ثقلها، فلنكن سندًا لا محكمة، واحتواءً لا إدانة، فما نزرعه في ضعف الآخرين، قد يكون اختبارنا القادم، وحينها، لن ينفعنا إلا ما قدمناه من رحمة.



