*
الاثنين: 26 يناير 2026
  • 26 يناير 2026
  • 14:15
في جرائم التعاطي  الأب  شريك 
الكاتب: عوض ضيف الله الملاحمة

تَقَطَّعَ نِياط قلبي  ، وحزنت كثيراً على /  زينه ، زينه ، زينة البنات ، إسماً ، وشكلاً ، ومضموناً ، وسلوكاً ، وتعاملاً ، وأخلاقاً ، وقيماً ، ونسباً ، كيف لا وهي تنتسب الى ( خوات خضرا ) ؟ زينه عندما رأيت صورتها للوهلة الأولى ، حسبتها إبنتي ، وحيدتي ، مصدر فخري وعزتي . وكنت مهيئاً ان أقرأ خبراً مفرحاً ، مبهجاً عن خطوبة ، او تحصيل درجة علمية ، او إنجاز متميز . لكنني فُجعت بخبر الغدر بها ، وممن !؟ من شقيقها . 

لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . مع أنني لا اعرفها ، الا انني أحسست بحزن عميق شديد يعتريني . وقفز الى ذهني كيف يتحمل أهلها ألم هذا الفقد الجلل العظيم !؟

وطننا الحبيب لم يعد (( ممراً )) لآفة المخدرات ، أبداً ، ومطلقاً ، وبتاتاً . وطننا أصبح (( مقراً )) ومستقراً ، وأرضاً خصبة  لهذه الآفة التي تفتك بالفرد والمجتمع فتكاً بشعاً ، سببه سلبها وتغييبها للعقل . 

في الكثير من بيوتنا ((قنابل )) موقوتة ، مسحوب مسمار أمانها ، يمكن ان تنفجر في أية ثانية ، او أية لحظة ، دون مقدمات ، ولا حاجة لمسببات او مبررات . 

إذا أدمن أحد أفراد الأسرة ، وخاصة من الشباب الذكور  ، يفترض ان أول من يشعر بذلك التغير والإنحراف الأب والأم . ولم يعد هناك من يجهل أعراض الإدمان مهما جهِل . لكن المشكلة تكمن في جُبن الأهل ، وليس جهلهم . فبعض الأهل ((  يدارون )) ، (( ويتسترون )) ، تجنباً (( للفضيحة الإجتماعية)) . ولا يعلمون انهم يتسترون على فضيحة يمكن تجاوزها وحلها ، الى فضيحة وجريمة كبرى مدمجة معاً بقتل روح او أرواح بريئة مسالمة ، لا ذنب لها . 

جهل الأهل يتمثل  في التأجيل ، والتسويف ، والمماطلة  في إتخاذ الإجراء الأنجع والأسلم ، والأصح . وكأنهم يعتقدون انها غلطة ، او نزوة يمكن للمدمن ان يُقلِع عنها . ولا يعلمون ، او يعلمون لكنهم يتجاهلون ان حالة الإدمان تصعب ، وتتعقد ، وربما تستعصي على العلاج أحياناً كلما مرّ وقت أطول على المدمن . 

يعتقدون ، كأن بدء التعاطي سيقود الى الصلاح والعقلانية وليس الى الهاوية . وان الأمر سيتعاظم ويزداد الوضع سوءاً مع مرور الوقت . وانه سيبداً بزيادة الجرعات ثم البحث عن الأنواع الأقوى ، الأكثر فتكاً وتدميراً للعقل والروح والجسد وللعائلة أيضاً . والأهم ان العقل يذهب ويغيب بتسارع كبير الى ان يغيب العقل تماماً ويتحول المدمن الى (( مجرم منتظر )) . 

لا أعرف ظروف وتفاصيل الحادثة التي أودت بحياة الصبية زينه ، ولا أود ان أعرف ، حتى لا ينفطر قلبي أكثر . كما انني لا  أكتب عنها ، وإنما أقصد أخذ العبرة من الحادثة على المستوى الوطني .  

بشكل مباشر ، ومختصر تكررت حالات القتل وإرتكاب الجرائم الغريبة على مجتمعنا ، وغالبيتها يكون الفاعل والمجرم فيها شاباً مدمناً . 

من المنطق ان نعتبر ان الأب الذي يتستر على إبنه المدمن ، يعتبر  (( متستراً على مجرم )) . لانه يفترض على كل أبٍ ان يراقب سلوك أبنائه مراقبة دقيقة ، وان يتفحص كافة السلوكيات اللاإرادية التي يتصف بها المدمن . وبمجرد تنامي أية شكوك لديه ، ان يتخذ إجراءات حاسمة ، وحازمة بإبلاغ الجهات الأمنية المختصة ، لتباشر دورها . 

على الأب  تحديداً ، ان يتنبه ، ويعي  ، ويعتبر ، ويتعض ، وان يسيره عقله ، ويُلجم عواطفه ، بمجرد ثبوت تعاطي إبنه ان يسلمه للأجهزة الأمنية المختصة للتحفظ عليه ومعالجته ، وهم لن يفرجوا عنه الا بعد إقلاعه عن الإدمان ، وتعافيه تماماً . 

أُقسم بالعلي العظيم ثلاثاً ، لو لاسمح الله ، انني إكتشفت ان أحد أبنائي مدمناً ، عندما كانوا في سن المراهقة — لأنهم كبروا الآن واعمارهم في الثلاثينات — أُقسم بالله لقمت بتسليمه للأجهزة الأمنية المختصة  بيدي . 

على الآباء ان يدركوا بان تسليم الإبن المدمن هو إجراء صحيح تماماً ، لأنه يحمي المدمن من الإضرار بنفسه ، وفي أغلب الحالات يتم تخليصه من الإدمان فيعود شخصاً سوياً ، كما انه يحمي عائلة المدمن والمجتمع عامة من أخطار أفعاله الإجرامية التي تصل حدّ إرتكابه جرائم قتل . 

أيها الأب ، إن تسليمك إبنك المدمن للأجهزة الأمنية المختصة فيه إنقاذ لحياته ، وحياة الآخرين . لأن نهاية المدمن الطليق معروفة ، حيث ستنتهي بإرتكابه جريمة . 

سكوت الأب عن إدمان إبنه ، وعدم إبلاغه للأجهزة الأمنية المختصة ، يعتبر 
سكوتاً ، بل (( تستراً على مجرم )) ، كما يفترض ان  يُعتبر ذلك الأب (( شريكاً في الجريمة )) التي يرتكبها المدمن . لأن الإدمان أفقده عقله ، وغيّب قدرته على التصرف السوي ،  وهو لا يدرك عواقب تصرفاته ، وبهذا يصبح كما (( القنبلة ))التي نُزِع مسمار الأمان منها . 

أيها الأب ، الذي تتستر على إدمان إبنك على المخدرات ، صحيح انها بلوى ومصيبة كبيرة ، أعانك الله على تحمل تبعاتها ، وصحيح ان إدمان أحد الأبناء ينعكس سلباً على  سمعة العائلة مجتمعياً ، لكن عليك ان تدرك بانه أقل ضرراً من ان ينتهي بإرتكاب المدمن جريمة ، يذهب ضحيتها أحد افراد العائلة الأبرياء . 

بعد تكرار جرائم القتل الشنيعة التي سببها الإدمان ارى ضرورة ان تعمل اجهزتنا الأمنية على القيام (( بحملات توعية للآباء )) تحديداً ، واعتبارهم  بتسترهم على المدمنين من أبنائهم بأنهم (( شركاء في الجريمة ))  التي يرتكبها المدمن .

مواضيع قد تعجبك