لأن الخيانة العظمى ليست في بيع الأرض، بل في تبديد إرادة من يسكنونها، فإن معضلة المخدرات التي تواجه الأردن ليست محكاً لقدرته الأمنية فحسب؛ بل هي مرآة تعكس سؤاله الأعمق عن قدرته على صناعة حياة يُختار الوعي فيها، ولا يُهرب منها إلى سبات مقصود!
تلك هي المعادلة التي تُختزل في سؤال واحد: لماذا يفر العقل من ذاته في وطنه؟ سواء أكان هذا الهروب غيبوبة كيميائية في الداخل، أم غربة جغرافية في الخارج، حيث الجذر واحد، ويتمثل في: فقدان الوطن لقدرته على أن يكون مساحة للحياة الواعية الكريمة!
الحادثة الأليمة التي راحت ضحيتها محامية على يد شقيقها المدمن ليست شذوذاً، بل هي التعبير الأكثر مرارة عن تحول الروابط الأقدس إلى ساحات صراع، وعن تحول البيوت من ملاجئ للأمان إلى معاقل لليأس، هي الصرخة التي تعلن أن الحرب لم تعد على الحدود، بل انتقلت إلى غرف النوم ودهاليز العقل!
التناقض الذي تكشفه الجهود الرسمية الجادة في المطاردة والضبط، هو أن الحرب على الظاهرة تنجح أمنياً بينما تخسر إنسانياً؛ لأنها تواجه العرض وتتغافل عن المرض: مرض الفراغ من المعنى، ومرض غياب المشروع الوطني الذي يجعل من البقاء "صاحياً" اختياراً طبيعياً، لا متصنعا!
هنا يلتقي من يبحث عن غيبوبة كيميائية مع من يبحث عن غربة جغرافية، فكلاهما يقرّان أن الهروب من الواقع أهون من مواجهته، وأن الوطن تحول من حاضن للأحلام إلى ساحة للهروب منها. وكأن الدولة نفسها تقدم لشبابها خيارين مرّين: إما أن تهاجر بجسدك، أو أن تهاجر بعقلك. وكلا الخيارين يشتركان في جريمة واحدة: سرقة الطاقة الحية للأمة!
فالشاب الذي يلجأ للمخدر لا يبحث عن الموت، بل عن هدنة مؤقتة من حياة لا يجد فيها مكاناً لكرامته، بينما يجد في الغيبوبة اعترافاً زائفاً بقيمته. وهو نفس الشعور الذي يدفع بالشاب الماهر إلى الهجرة، حيث يبحث عن اعتراف حقيقي بقدراته، بعد أن غاب هذا الاعتراف في وطنه!
والمجتمع الذي يتألم للجريمة ثم يعود إلى ممارساته اليومية دون مراجعة، يشبه طبيباً يعالج الحمى بالمضادات ويغفل عن العدوى الأصلية.
نحن نواجه حالة شبيهة بجسد ينزف من طرفين: نزيف داخلي بفعل مواد تذهب بالعقول، ونزيف خارجي بفعل هجرة تذهب بالكفاءات. والعلاج الجزئي لن يجدي، فالدماء تسيل من كلا الجرحين!
لكن الأخطر من هذا النزيف المزدوج هو اليأس من إمكانية الإصلاح، فالأردن ليس أرضاً جرداء؛ بل هو تاريخ من الصمود وإرادة للعيش تتفجر كل يوم في ملايين التفاصيل الصامتة: في المزارع الذي يحيي أرضاً، والمعلم الذي يصنع أملاً، والطالب الذي يتحدى المستحيل. المشكلة ليست في الأرض بل في عجزنا عن تحويل هذه الإمكانات إلى حياة تستحق أن يُهجر من أجلها المخدر والغربة معاً!
الحل الأمني المشدد ضرورة كالجبيرة للكسر، لكن العلاج الحقيقي يحتاج إلى جراحة شجاعة للبيئة التي تنتج اليأس. نحتاج إلى تحويل طاقة الهروب إلى طاقة بناء، وتحويل الشباب من أرقام في إحصاءات المخدرات أو بضاعة في سوق الهجرة، إلى شركاء فاعلين في صناعة مصيرهم.
الانتصار في هذه المعركة لن يُقاس بعدد الجرائم التي ضُبطت، بل بعدد الأحلام التي أُنقذت، وعدد الشباب الذين استعادوا الثقة بأن حياتهم هنا تستحق أن تُعاش بكامل وعيها، لا أن !يهرب منها عبر أقصر الطرق
والسؤال الحقيقي ليس: لماذا يهربون؟ بل هو: ماذا نصنع ليبقوا؟ وكيف نحوّل الوطن من مكان يُهرب منه إلى حياة يُهرب إليها؟
هذا هو -برأيي- التحدي الأكبر، والباقي تفاصيل. لأن هذه الأرض التي صمدت أمام كل العواصف، قادرة على أن تكون وطناً للحياة الكريمة إن صدقت النوايا، وجُسدت الأحلام على شكل مشاريع.



