*
الثلاثاء: 13 يناير 2026
  • 13 يناير 2026
  • 13:06
من غرفة الإنعاش إلى زمن البناء جعفر حسان يعيد الدولة الأردنية من لغة الأعذار إلى منطق الفعل
الكاتب: عماد داود

منذ اللحظة الأولى التي ظهر فيها رئيس الوزراء جعفر حسان على شاشة التلفزيون الأردني، لم يكن المشهد مجرّد مقابلة متأخرة أو إطلالة بروتوكولية محسوبة؛ بل كان أشبه بإشارة داخلية، التقطها من يعرف الدول من داخلها، لا من عناوينها. 
لم يكن الحديث صاخبا، ولا دفاعيا، ولا محملا بادعاءات الإنجاز، بل كان انتقالًا هادئًا، لكنه حاسم، من لغة أُنهكت إلى لغة تُختبر!

لسنوات طويلة، عاش الخطاب الرسمي الأردني داخل استعارات طبية وسياسية متعبة: غرفة الإنعاش، عنق الزجاجة، الظروف الإقليمية، التحديات غير المسبوقة..الخ.
 في بداياتها كانت هذه المصطلحات توصيفًا صادقًا لواقع ضاغط، لكن تكرارها حوّلها إلى ما يشبه القناع اللغوي؛ الذي يستخدم لا لفهم الواقع، بل للتكيّف معه، وربما التعايش مع استمراره!

الخطر في هذا القاموس ليس أنه كاذب، بل لأنه حين يطول، يعيد تشكيل وعي الدولة بنفسها؛ فالدولة التي ترى نفسها دائمًا في حالة طوارئ، تفقد  -ببطء- قدرتها على التخطيط، وتستبدل الخيال الاستراتيجي بإدارة النجاة!

ما فعله جعفر حسان، بهدوء رجل خبر الدولة من قلبها، أنه لم يستدع هذا القاموس ليحتمي به، بل تجاوزه. حين قال إن عام 2026 هو عام بدء البناء، لم يكن يطلق شعارًا زمنيا، ولا يبيع أملًا سهلًا، بل أعاد ضبط العلاقة بين الدولة والزمن؛ لأن الدول لا تنهض حين تكثر من الشكوى، بل حين تملك شجاعة أن تقول: انتهت مرحلة، ونبدأ أخرى!

وهنا، يتقاطع هذا الظهور مع ما كتبته سابقًا عن جعفر حسان بوصفه ترجمان الدولة الأردنية، لا لأنه أكثر السياسيين فصاحة، بل لأنه يحمل ذاكرة المؤسسة!
 خروجه من مطبخ القرار الملكي — رئيسًا للديوان ومديرًا للمكتب — يعني أنه تشكّل في المكان الذي تُختبر فيه الأفكار قبل إعلانها، وتُقاس فيه الكلمات بما تُحدثه بعد عشر سنوات وربما أكثر، لا بما تصنعه في نشرة أخبار أو بيان صحفي!

الدولة، في معناها العميق، ليست جهازًا إداريًا ولا منصة خطابية. هي كائن حي، له ذاكرة، وحساسية، وحدود دقيقة بين ما يُقال وما يُفعل. ومن يفهم لغتها الداخلية يستطيع أن يتحدث باسمها دون أن يصادرها! جعفر حسان لا يبدو صانع رؤية من فراغ، بل قارئا لتراث طويل من الحساب الهادئ، ويحاول نقله من إدارة الهشاشة إلى صناعة القدرة!

اقتصاديا، لا تكمن أهمية ما طُرح في حجم الأرقام، بل في طبيعة الاتجاه. الحديث عن مليارات تُضخ في: الماء، والنقل، والطاقة، والربط الإقليمي، هو حديث عن إعادة تشكيل بنية الاقتصاد، لا عن تجميل نتائجه. الفرق بين دولة تُدير أزمة ودولة تبني مستقبلًا هو الفرق بين من يموّل الاستهلاك ومن يستثمر في الأصول السيادية. 
الناقل الوطني، السكك الحديدية، الريشة، تطوير البنية اللوجستية…الخ..  ليست مشاريع حكومة عابرة، بل أعمدة دولة تفكر بعقود لا بدورات.

وفي ملف التوسع الحضري، جاء الدفاع عن «عمرة» بعيدًا عن الشعبوية. لم يقدم المدينة بوصفها حلمًا ولا هروبًا، بل كاستجابة عقلانية لتحولات ديموغرافية تضغط بصمت على جودة الحياة في عمان والزرقاء، حيث لا يحدث الانهيار دفعة واحدة، بل يتآكل الزمن، والمساحة، والخدمة، يومًا بعد يوم.
التفكير المسبق هنا ليس ترفًا، بل محاولة إنقاذ هادئة للمدن القائمة قبل أن تختنق.

سياسيًا، كان الخطاب -برأيي- ناضجًا إلى حد نادر. استبدال منطق المغالبة بمنطق التعاون مع البرلمان ليس ضعفًا، بل إدراك أن الإصلاح الحقيقي في الدول المركّبة لا يتم بالقفز فوق المؤسسات، بل بالصبر عليها. هذه لغة من يعرف أن البناء المؤسسي بطيء، مرهق، وغير شعبوي، لكنه الوحيد الذي لا ينهار مع أول اختبار.

وفي الخلفية، تلوح فكرة لا تُقال مباشرة، لكنها أساسية: الدول لا تعمل بكفاءة حين تتعدد الإشارات، ولا تنجح المشاريع الكبرى حين يتشظى القرار. وحدة الإيقاع، لا صخب الصلاحيات، هي ما يصنع الإنجاز، والتجارب القريبة علّمتنا أن غياب هذا الانسجام يحوّل المسؤول التنفيذي إلى مدير توازنات بدل أن يكون قائد تنفيذ، فالدول الذكية لا تُلغِي التنوع المؤسسي، لكنها تحسن ضبطه بحيث تتحرك الدولة كلها في اتجاه واحد.

إقليميًا، جاء الخطاب أردنيًا بلا زوائد: فلسطين بوصفها عمقا للأمن الوطني لا مادة خطابية، سوريا بوصفها جارا لا ساحة، والمياه بوصفها مسألة وجود لا تقبل التسييل السياسي! هذه ليست لغة انفعال، بل لغة دولة تعرف نفسها.

في المحصلة، خرج جعفر حسان من هذه المقابلة واضعًا مصداقية الحكومة، ومعها صدقية الدولة التنفيذية، أمام اختبار الزمن، لأن من يحدد مواعيد، ويسمّي مشاريع، ويضع أرقامًا، لا يملك ترف الاختباء لاحقًا خلف اللغة.

الأردنيون لا ينتظرون معجزات، ولا يصدقون الكلام بسهولة، لكنهم يعرفون تمام المعرفة أن الدول لا تبدأ بالإنجاز، بل بالتصور! وما طُرح هنا ليس خطابًا، بل تصور كامل: إما أن يتحول إلى لحظة تأسيس جديدة، أو يُضاف — لا قدّر الله — إلى أرشيف المصطلحات التي أتقنّا حفظها!

غير أن التاريخ يقول شيئًا واحدًا بثبات:
الدول لا تدخل مراحلها الكبرى بالضجيج،
بل حين يتغيّر شيء عميق في لغتها.
وحين يتحول الكلام من تبرير،
إلى إعلان بداية.

وهنا…
بدأ زمن البناء!

مواضيع قد تعجبك