*
الاربعاء: 04 آذار 2026
  • 04 آذار 2026
  • 09:37
هل تتراجع النيوليبرالية أم يعاد تعريفها
الكاتب: د. أحلام ناصر

بقلم د أحلام ناصر

منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، شكّلت النيوليبرالية الإطار الفكري المسيطر على السياسات الاقتصادية في العالم. قامت الفكرة على تقليص دور الدولة، وتحرير الأسواق، وترك قوى العرض والطلب تقود عملية التنمية. ارتبط هذا التوجه بأعمال الاقتصادي ميلتون فريدمان، وبالتحولات السياسية في عهد رونالد ريغان ومارغريت تاتشر، ثم تعمّم عالميًا عبر برامج الإصلاح التي دعمتها مؤسسات دولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

لا يمكن إنكار أن هذا النموذج حقق نتائج ملموسة في بعض الجوانب الاقتصادية، فقد أسهم تحرير التجارة في رفع معدلات النمو في عدد من الاقتصادات الصاعدة، خصوصًا في شرق آسيا، كما عزز المنافسة وخفّض كلفة بعض السلع والخدمات، حيث اشارت تقارير البنك الدولي حول التنمية العالمية إلى أن الانفتاح التجاري كان عاملًا مهمًا في تسريع النمو في عدة دول نامية خلال التسعينيات وبداية الألفية.

ا

ثم جاءت جائحة كوفيد-19 لتعيد صياغة المشهد بالكامل، عندما تعطلت سلاسل الإمداد وانهارت قطاعات بأكملها، لم تستطع الأسواق أنقاذ نفسها، تدخلت الحكومات بضخ حزم تحفيز غير مسبوقة، واستعادت الدولة دورها كمستثمر ومُنقذ في هذه المرحلة، كما ان تقارير الأمم المتحدة حول الآفاق الاقتصادية العالمية أكدت أن مرحلة ما بعد الجائحة تتجه نحو دور أكبر للدولة في الصحة والطاقة والأمن الغذائي.

السؤال اليوم لم يعد، هل فشلت النيوليبرالية؟ بل، هل يمكن للسوق وحده أن يحقق تنمية مستدامة وعادلة؟ التجربة تشير إلى أن السوق دون دولة تنظيمية قوية يفتح الباب للاحتكار، وأن الدولة دون سوق ديناميكي تخلق جمودًا وضعف كفاءة الاسواق.

التحول الجاري عالميًا لا يعني العودة إلى التخطيط المركزي، بل إلى نموذج أكثر توازنًا، دولة مرنة قادرة على التدخل عند اخفاق السوق في العمل الجيد المتوازن، تستثمر في القطاعات الاستراتيجية، وتضبط المنافسة دون أن تخنق المبادرة الخاصة، هذا ما بات يُعرف في الأدبيات الحديثة بـ"الدولة التنموية الحديثة".

في المحصلة، لا نعيش لحظة سقوطٍ لأفكار الماضي بقدر ما نعيش لحظة إعادة معايرتها، فالتاريخ الاقتصادي يعلّمنا أن النماذج لا تختفي فجأة، بل تُعاد صياغتها تحت ضغط الأزمات، والقضية ليست صراعًا بين السوق والدولة، بل بحثٌ عن توازن ذكي يحقق النمو ويحفظ العدالة معًا.

ولفهم المشهد بدقة، لا بد من التمييز بين نموذجين لدور الدولة، فالدولة التنظيمية تضع القواعد وتضبط السوق عبر أجهزة رقابية تمنع الاحتكار وتعالج إخفاقات السوق وتضمن السلع العامة كالأمن والتعليم، دون أن تتدخل مباشرة في توجيه النشاط الاقتصادي.

أما الدولة التنموية، فتمضي أبعد من ذلك؛ لا تكتفي بالحماية بل تبادر بالتحفيز، تدعم الصناعات الناشئة، وتوجّه الاستثمارات نحو القطاعات الاستراتيجية، وتدير التحولات الهيكلية بين القطاعات التقليدية والجديدة بسياسات صناعية مدروسة.

الفرق الجوهري أن الأولى تصحح مسار السوق، بينما الثانية تسهم في رسم مستقبله، وهنا يكمن السؤال الحقيقي، هل نريد دولة تنظم وتراقب فقط، أم دولة تقود التحول ضمن مؤسسات قوية ومسؤولة؟

مواضيع قد تعجبك