في عمان، حيث تتلاقى دروب التاريخ والجغرافيا، انعقدت قمة استثنائية في الثامن من يناير 2026. لم تكن مجرد لقاء دبلوماسي عابر، بل كانت لحظة فارقة تختبر حدود الشراكة بين ضفتين تتشاركان مصيراً معقداً. الاتحاد الأوروبي، الذي يصارع تحديات التضخم والطاقة والهجرة، يجد في الأردن شريكاً لا غنى عنه، ركيزة استقرار في منطقة مضطربة. أما الأردن، المملكة الهاشمية التي تواجه تحديات اقتصادية جمة، فترى في هذه الشراكة استحقاقاً تاريخياً ودعماً حيوياً لمسيرتها التنموية.
الحديث عن حزمة دعم أوروبية تقارب الثلاثة مليارات يورو، منها ما يزيد عن ستمائة مليون كمنح لا تُرد، والبقية قروض ميسرة، ليس مجرد أرقام تُعلن في بيانات صحفية. إنه اعتراف ضمني، وإن كان متأخراً بعض الشيء، بالدور المحوري الذي يلعبه الأردن في استقرار الإقليم، وحماية الحدود الأوروبية من موجات قد لا تستطيع القارة العجوز تحملها. هذه الأرقام، التي قد تبدو ضخمة للوهلة الأولى، هي في حقيقتها استثمار في الأمن الأوروبي بقدر ما هي دعم للاقتصاد الأردني. فصادرات الأردن إلى الاتحاد الأوروبي، التي شهدت قفزة ملحوظة تجاوزت الأربعين بالمائة في الأشهر العشرة الأولى من العام الماضي، ليست سوى غيض من فيض الإمكانات غير المستغلة، والتي تنتظر مؤتمر الاستثمار في نيسان القادم ليُطلق العنان لها.
المحللون، أولئك الذين يقرأون ما بين السطور، يجمعون على أن القمة تجاوزت مجرد الدعم المالي. إنها محاولة أوروبية لإعادة تموضع استراتيجي في الشرق الأوسط، حيث تسعى بروكسل لتعزيز نفوذها عبر بوابة عمان، في ظل تراجع الدور الأمريكي التقليدي وانشغال القوى الكبرى الأخرى. إنها لعبة شطرنج جيوسياسية معقدة، حيث كل حركة محسوبة، وكل تصريح يحمل أبعاداً تتجاوز معناه الظاهري. فالأردن، بتاريخه العريق وقيادته الحكيمة، يدرك تماماً أن هذه الشراكة ليست طريقاً باتجاه واحد، بل هي مسار ذو اتجاهين، يتطلب منه الحفاظ على توازنات دقيقة بين مصالحه الوطنية وتطلعات شركائه الدوليين.
لكن، هل تكفي هذه المليارات لترميم اقتصاد يواجه تحديات بنيوية عميقة؟ هل يمكن لقمة واحدة، مهما بلغت أهميتها، أن تحل معضلة البطالة التي تلامس مستويات حرجة، أو أن تخفف من عبء الدين العام الذي يثقل كاهل الأجيال القادمة؟ هذه أسئلة مشروعة يطرحها المواطن الأردني في كل مجلس، وهو يرى أن النمو الاقتصادي، الذي قد يصل إلى 2.9% بنهاية هذا العام، لا يزال بعيداً عن جيبه. إنها مفارقة مؤلمة، أن تتحدث الأرقام عن تحسن، بينما يشعر الناس بضيق الحال. هنا يكمن التحدي الحقيقي للشراكة: كيف يمكن ترجمة الدعم الكلي إلى تحسين ملموس في حياة الأفراد؟
القمة، إذن، لم تكن نهاية المطاف، بل بداية فصل جديد في تاريخ العلاقات الأورومتوسطية. يتطلب هذا الفصل من الأردن جرأة في طرح استحقاقاته كشريك فاعل في الأمن الإقليمي، وأن يصر على شراكة مبنية على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، بعيداً عن منطق المانح والمتلقي. وعلى الاتحاد الأوروبي أن يدرك أن استقرار الأردن ضرورة استراتيجية لأمنه القومي، خاصة في ظل التحولات العميقة بالمنطقة. إنها معادلة معقدة تتطلب حكمة قيادية ووعياً شعبياً وقدرة مؤسسية على تحويل التفاهمات إلى فرص عمل ومشاريع تنموية.
فحدود الشراكة، كما أظهرت قمة عمان، ليست ثابتة، بل في اختبار دائم وتفاوض مستمر، تتشكل وتتغير مع كل تحول إقليمي ودولي. الرهان اليوم ليس على ما قيل في القاعة المغلقة، بل على ما سيحدث في الميدان، وتحديداً في مؤتمر الاستثمار المرتقب. والمستقبل وحده الكفيل بكشف مدى نجاح هذه الشراكة في تحقيق تطلعات الطرفين وبناء نموذج جديد للتعاون الدولي، أم أنها ستظل مجرد أرقام براقة ووعود تتبخر مع أول عاصفة. إنها لحظة الحقيقة، حيث الشراكة الحقيقية هي تلك التي تصمد أمام رياح التغيير العاتية.
في عمان، حيث تتلاقى دروب التاريخ والجغرافيا، انعقدت قمة استثنائية في الثامن من يناير 2026. لم تكن مجرد لقاء دبلوماسي عابر، بل كانت لحظة فارقة تختبر حدود الشراكة بين ضفتين تتشاركان مصيراً معقداً. الاتحاد الأوروبي، الذي يصارع تحديات التضخم والطاقة والهجرة، يجد في الأردن شريكاً لا غنى عنه، ركيزة استقرار في منطقة مضطربة. أما الأردن، المملكة الهاشمية التي تواجه تحديات اقتصادية جمة، فترى في هذه الشراكة استحقاقاً تاريخياً ودعماً حيوياً لمسيرتها التنموية.
الحديث عن حزمة دعم أوروبية تقارب الثلاثة مليارات يورو، منها ما يزيد عن ستمائة مليون كمنح لا تُرد، والبقية قروض ميسرة، ليس مجرد أرقام تُعلن في بيانات صحفية. إنه اعتراف ضمني، وإن كان متأخراً بعض الشيء، بالدور المحوري الذي يلعبه الأردن في استقرار الإقليم، وحماية الحدود الأوروبية من موجات قد لا تستطيع القارة العجوز تحملها. هذه الأرقام، التي قد تبدو ضخمة للوهلة الأولى، هي في حقيقتها استثمار في الأمن الأوروبي بقدر ما هي دعم للاقتصاد الأردني. فصادرات الأردن إلى الاتحاد الأوروبي، التي شهدت قفزة ملحوظة تجاوزت الأربعين بالمائة في الأشهر العشرة الأولى من العام الماضي، ليست سوى غيض من فيض الإمكانات غير المستغلة، والتي تنتظر مؤتمر الاستثمار في نيسان القادم ليُطلق العنان لها.
المحللون، أولئك الذين يقرأون ما بين السطور، يجمعون على أن القمة تجاوزت مجرد الدعم المالي. إنها محاولة أوروبية لإعادة تموضع استراتيجي في الشرق الأوسط، حيث تسعى بروكسل لتعزيز نفوذها عبر بوابة عمان، في ظل تراجع الدور الأمريكي التقليدي وانشغال القوى الكبرى الأخرى. إنها لعبة شطرنج جيوسياسية معقدة، حيث كل حركة محسوبة، وكل تصريح يحمل أبعاداً تتجاوز معناه الظاهري. فالأردن، بتاريخه العريق وقيادته الحكيمة، يدرك تماماً أن هذه الشراكة ليست طريقاً باتجاه واحد، بل هي مسار ذو اتجاهين، يتطلب منه الحفاظ على توازنات دقيقة بين مصالحه الوطنية وتطلعات شركائه الدوليين.
لكن، هل تكفي هذه المليارات لترميم اقتصاد يواجه تحديات بنيوية عميقة؟ هل يمكن لقمة واحدة، مهما بلغت أهميتها، أن تحل معضلة البطالة التي تلامس مستويات حرجة، أو أن تخفف من عبء الدين العام الذي يثقل كاهل الأجيال القادمة؟ هذه أسئلة مشروعة يطرحها المواطن الأردني في كل مجلس، وهو يرى أن النمو الاقتصادي، الذي قد يصل إلى 2.9% بنهاية هذا العام، لا يزال بعيداً عن جيبه. إنها مفارقة مؤلمة، أن تتحدث الأرقام عن تحسن، بينما يشعر الناس بضيق الحال. هنا يكمن التحدي الحقيقي للشراكة: كيف يمكن ترجمة الدعم الكلي إلى تحسين ملموس في حياة الأفراد؟
القمة، إذن، لم تكن نهاية المطاف، بل بداية فصل جديد في تاريخ العلاقات الأورومتوسطية. يتطلب هذا الفصل من الأردن جرأة في طرح استحقاقاته كشريك فاعل في الأمن الإقليمي، وأن يصر على شراكة مبنية على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، بعيداً عن منطق المانح والمتلقي. وعلى الاتحاد الأوروبي أن يدرك أن استقرار الأردن ضرورة استراتيجية لأمنه القومي، خاصة في ظل التحولات العميقة بالمنطقة. إنها معادلة معقدة تتطلب حكمة قيادية ووعياً شعبياً وقدرة مؤسسية على تحويل التفاهمات إلى فرص عمل ومشاريع تنموية.
فحدود الشراكة، كما أظهرت قمة عمان، ليست ثابتة، بل في اختبار دائم وتفاوض مستمر، تتشكل وتتغير مع كل تحول إقليمي ودولي. الرهان اليوم ليس على ما قيل في القاعة المغلقة، بل على ما سيحدث في الميدان، وتحديداً في مؤتمر الاستثمار المرتقب. والمستقبل وحده الكفيل بكشف مدى نجاح هذه الشراكة في تحقيق تطلعات الطرفين وبناء نموذج جديد للتعاون الدولي، أم أنها ستظل مجرد أرقام براقة ووعود تتبخر مع أول عاصفة. إنها لحظة الحقيقة، حيث الشراكة الحقيقية هي تلك التي تصمد أمام رياح التغيير العاتية.




