ثمة سلاح لا يُودَع في مستودعات الأسلحة، لا يحتاج بروتوكولات الأمم المتحدة، لا يُحسَب في موازين القوى ولا يُدرَج في بنود المعاهدات، ويعمل في المساحة التي تقع بين عيني الإنسان وفهمه لنفسه! والشهر الفضيل، بكل ثقله الروحي وكثافة حضوره أمام الشاشة، هو أنسب موسم لتشغيله على أقصى طاقته!
الاستعمار القديم كان يحتاج أساطيل. هذا لا يحتاج إلا إلى تقنية ألوان عالية الدقة وموسيقى تصويرية مناسبة. ذاك كان يحتل الأرض فيُرى ويُقاوم. وهذا يحتل المعيار، فيُحَب ويُعاد بثّه!
ما يُبثّ في هذه الأسابيع ليس إعلاناً بالمعنى التجاري المألوف.
الإعلان يعرض منتجاً. أما هذا فيعرض عالَماً كاملاً له ساكنوه ومناخه وأسنانه البيضاء وبحره الذي لا يعرف الزحام!
البيوت هناك واسعة بطبيعتها، والضحكة مكتملة كأنها حقٌّ مكتسب! ثم يضع بينك وبينه ثلاثين ثانية قابلة للتكرار كل خمس دقائق، طوال ثلاثين يوماً!
لست مدعواً للشراء فحسب؛ أنت مدعو لاستيعاب غيابك!
فيلا بيضاء، أسرة لم تمسسها الحياة بأذى، شوكولاتة في علبة يكلّف تصميمها وحده أكثر من راتب أسبوع!
الممثل لا يبيعك رفاهية؛ يبيعك الدليل على أنه يسكن في طبقة أخرى من الوجود. والإعلان لا يشتغل إلا بوجودك ناظراً من الخارج. الفخامة بلا مشاهد فقير هي مجرد ديكور في غرفة مغلقة.
وراء هذه الشاشة أرقام لا تُضاء بالموسيقى نفسها. ثلاثة من كل عشرة مصريين مُصنَّفون فقراء وفق آخر بيانات رسمية معلنة، والمحللون المستقلون يتحدثون عن ستين بالمئة حين تُضاف شريحة من يقف على الحافة. أربعة عشر مليون مصري يعيشون خارج بلادهم، ليس في رحلة اختيار، بل في هجرة منظّمة يُعيدون من خلالها ما يقارب ثلاثين مليار دولار سنوياً لتسدّ فجوات لا تسدّها الميزانيات. واستهلاك المصري من اللحوم الحمراء تراجع من تسعة عشر كيلوغراماً سنوياً قبل عقد إلى أقل من نصف ذلك اليوم. هؤلاء جميعاً، كل ليلة، يجلسون أمام الشاشة نفسها التي تفتح لهم أبواب الجنة المُصطنعة.
المشكلة ليست أن الإعلانات تكذب. الكذب الكامل سهل الإدانة. المشكلة أنها تقول الحقيقة الجزئية وتدّعيها كلاً، وهذا أقسى من الكذب لأنه لا يترك لك حجة. الفيلات البيضاء موجودة. العائلات المبتسمة موجودة. البحر الذي لا تُعكّر صفوه فاتورة موجود هو الآخر. لكن ما يُحذف ليس مشهداً مزعجاً، بل هو النسب الحقيقية للواقع. لو ظهر وجه الأم التي توزّع التمر على أولادها كأنه قرص دواء، لصار إعلان العطور كلاماً فارغاً. إذن الحل هو ألا يظهر. الحل هو أن نتفق جميعاً على أن ما نراه هو كل ما هناك.
أنت تستطيع أن تتهم الكذاب. فماذا تفعل مع من يقول الصدق لكنه يخفي ما يجعله صدقاً جزئياً فقط؟
وهذا هو الإنسان الذي تفتح له الشاشة أبواب الجنة المصطنعة كل ليلة. رجل اسمه محمود أو أحمد أو أي اسم تختاره الضرورة، يعود بعد يوم صيام إلى غرفة لا تطلّ على شيء. يجلس أمام الشاشة لأنه لا يملك ما يفعله غيرها. وتأتي الشاشة لتقول له بكل لطف واحتراف: هناك عالم لا تنتمي إليه، لكن يمكنك أن تنظر إليه مجاناً.
علم النفس الاجتماعي يُسمّي ما يُنتَج بعد ذلك «الحرمان النسبي». لا تتألم لأنك تجوع وحسب، بل لأنك ترى من يشبع بصورة عالية الدقة كل خمس دقائق طوال الشهر. هذا الألم لا يُقاس ولا يُدرَج في إحصاءات. لكنه يتراكم حتى يتحول إلى يقين هادئ: الفقر طبيعتي لا ظرفي. وحين يصدق الإنسان ذلك، يموت فيه شيء يصعب إحياؤه.
الشاشة في بيت الفقير ليست رفاهية. هي آخر ما يتبقى حين يتقلص العالم. ولهذا بالذات فإن من يدخل من بابها يملك امتيازاً استثنائياً. ومن يملك الامتياز يملك معه نصيباً من مسؤولية التعريف: ما الطبيعي؟ ما الكافي؟ أي حياة تستحق أن تُرى؟ الإعلان الذي لا يُعير هذا السؤال أي اعتبار لا يُخطئ فقط في حساب جمهوره؛ بل يُنتج بصمت واحتراف قناعةً مضمرة أن من يشاهده لا ينتمي إلى العالم الذي يُشاهَد فيه.
ثمة فارق جوهري بين أن تبيع حلماً وأن تبيع استبعاداً. الأول يمد السلّم، والثاني يسحبه. والخطورة ليست في الفخامة ذاتها، بل في تعميمها كمعيار وحيد. لأن الطبقية حين تتكرّس بصرياً وتصبح هي المرئي الأوحد، تصبح أصلب من أي نص مكتوب وأصعب مساءلةً من أي قانون معلَن. والمشاهد المكسور هو أفضل مشاهد: لا ينتقد ولا يطالب ولا يغادر. يظل هناك يحدق في الجنة المُصطنعة ويتسلى بوهجها على جدران غرفته.
أخطر ما يمكن أن يُصيب مجتمعاً ليس أن يفتقر. الفقر ظرف، وللظروف تاريخ وأسباب وإمكانية تغيير. الأخطر أن يقتنع المجتمع بأن ما لا يملكه هو القاعدة، وأن غيابه عن الصورة دليل على غيابه عن الاستحقاق.
وذلك اليقين، حين يرسخ، لا يحتاج سجوناً ولا حظراً. يحتاج فقط إلى شاشة مفتوحة، وموسيقى مناسبة، وإعادة بث!



