خبرني - منذ نصف قرنٍ والشرق الأوسط يتحوّل إلى مختبرٍ تاريخي لرؤساء الولايات المتحدة، كلٌّ يحاول أن يترك بصمته على صراعٍ يبدو بلا نهاية. في كل عقدٍ تقريبًا، يظهر رئيس أميركي يظن أنه قادر على أن يُدخل اسمه في كتب التاريخ من بوابة "السلام في الشرق الأوسط". لكن الشرق الأوسط عنيد، لا يخضع للوعود ولا يلين للشعارات، بل يظلّ عصيًّا على الصياغة الأميركية، يكتب قواعده بدماء شعوبه وبتشابك مصالح قواه المتضادة.
جيمي كارتر حمل لقب "صانع السلام" لأنه جمع مصر وإسرائيل في كامب ديفيد عام 1978، لكنه ترك الفلسطينيين خارج المعادلة، فبقي السلام منقوصًا. بيل كلينتون حاول أن يعيد إنتاج اللحظة في أوسلو، وصافح ياسر عرفات وإسحق رابين على عشب البيت الأبيض، لكن اتفاقه تهاوى سريعًا أمام واقع الاحتلال والاستيطان. باراك أوباما جاء بخطابٍ مؤثر في القاهرة عام 2009، تحدّث عن بدايةٍ جديدة مع العالم الإسلامي، لكنه غادر تاركًا المنطقة تغرق في فوضى "الربيع العربي" وحروب الوكالة.
واليوم، يأتي دونالد ترامب إلى نفس المسرح الدموي. رجل الأعمال الذي تحوّل إلى رئيس، والزعيم الذي يجيد مسرح الكاميرات أكثر مما يجيد قراءة الملفات، يقف أمام غزة ليحاول أن يصوغ نفسه بوصفه "رجل السلام". لكن الفارق أن رهانه هذه المرة يأتي في قلب حربٍ استمرت 24 شهرًا، أكلت آلاف الأرواح، وشلّت الحياة في قطاعٍ محاصر، وزلزلت صورة إسرائيل في العالم.
ترامب ولحظة "يبدو لي"
بطريقته المسرحية المعتادة، قال ترامب: "يبدو لي أن حماس مستعدة للسلام." جملة قصيرة، لكنها كافية لتُشعل الإعلام العالمي. ففي لحظة، قدّم نفسه باعتباره من اكتشف "الطريق" وسط الرماد. لكن الحقيقة أعمق: فحماس لم تقل نعم كاملة ولا لا مطلقة، بل أعطت جوابًا رماديًا "نعم ولكن".
نعم للإفراج عن الأسرى، نعم لإدارة فلسطينية تكنوقراطية تقوم على التوافق الوطني وتحظى بدعم عربي وإسلامي، ونعم لوقف الحرب مقابل تسلّم الأسرى الإسرائيليين فقط، فإيقاف الحرب مطلبٌ رئيسي من أجل المواطنين الذين أنهكتهم المجازر والحصار، ليأخذوا نَفَسًا ويستعيدوا بقايا الحياة في مدينةٍ لم تعرف الهدوء منذ عامين.
ولكن لا لنزع السلاح، ولا للإقصاء من المشهد السياسي، ولا لقبول وجود قوةٍ أجنبية تتحكم بالقطاع. إنها صيغةٌ مركّبة، تُبقي باب التفاوض مفتوحًا، لكنها ترفض منح إسرائيل أو واشنطن انتصارًا مجانيًا.
ترامب تلقّف هذا الرد وصاغه كأنه "انتصار سياسي". كتب على منصته: "حماس مستعدة للسلام، وعلى إسرائيل أن توقف القصف." لكنه تجاهل عمق التعقيد: حماس لم تسلّم أوراقها، بل أعادت ترتيبها على الطاولة.
نتنياهو في دهشة غير متوقعة
في إسرائيل، وقع رد حماس كالصاعقة. نتنياهو، الذي وعد شعبه بالحسم والقضاء على الحركة، أصيب بدهشة أربكت حساباته. لم يتوقع أن تخرج حماس بصيغةٍ تقبل بعض البنود وترفض جوهرها، ما جعله مكشوفًا أمام جمهوره. وزراء اليمين المتطرف وصفوا الرد بالخيانة، وقالوا إن أي بقاءٍ لحماس يعني نهاية مفهوم الردع. أما عائلات الأسرى، فقد دعمت بقوة أي اتفاق يُعيد أبناءها، حتى لو كان ثمنه وقف الحرب دون حسم.
ومن دهشة نتنياهو التي أربكت تماسكه الداخلي، إلى رد فعل ترامب الذي سارع لالتقاط الخيط وصياغته كإنجازٍ شخصي، بدا المشهد وكأنه انتقال سريع من ارتباكٍ إسرائيلي إلى استعراضٍ أميركي. وبين هذا وذاك، ظلّ الميدان في غزة يحسم المعنى الحقيقي لكل كلمةٍ تُقال.
الوسطاء الإقليميون: مطرقة وسندان
على المستوى العربي والإقليمي، تحركت مصر لتأكيد موقعها التاريخي كضامنٍ رئيسي. رفضت سيناريو التهجير نحو سيناء، وأكدت أن أي حل يجب أن يبقى داخل غزة. قطر واصلت دورها كقناة اتصال لا غنى عنها، تجمع بين واشنطن والمقاومة. تركيا دخلت على الخط لتؤكد أنها لا يمكن تجاوزها في ملفات الإقليم. لكن رغم كل هذه الجهود، بقيت الحقيقة أن كلمة السر في واشنطن.
غزة: الجرح المفتوح
في قلب هذا كله تبقى غزة. مدينة صغيرة لكنها تختصر كل تناقضات الإقليم. أكثر من 870 ألف نازح، أحياءٌ كاملة مسحتها الطائرات من الوجود، مستشفياتٌ متهالكة، وطفولة تبحث عن مأوى في مدارس محطمة. غزة ليست ورقة سياسية على الطاولة، بل امتحانٌ لصدقية العالم. لذلك حين تحدّث ترامب عن "السلام"، لم يلتفت الفلسطينيون إلى عباراته بقدر ما تساءلوا: هل سيتوقف القصف حقًا؟
ثلاثة مسارات على الطاولة
المشهد يقف أمام ثلاثة احتمالات:
1. اتفاق جزئي يوقف الحرب ويعيد الأسرى، ويسلّم إدارة غزة لسلطة تكنوقراطية توافقية. يمنح ترامب صورة الإنجاز، ويعطي إسرائيل مخرجًا يحفظ ماء وجهها، ويبقي حماس لاعبًا سياسيًا
2. انفجار واسع إذا أصرت إسرائيل على نزع السلاح أو رفضت حماس أي تعديل يمس جوهرها. هذا السيناريو قد يشعل مواجهة إقليمية تمتد إلى لبنان وربما البحر الأحمر.
3. هدنة طويلة شبيهة بما هو قائم في جنوب لبنان: وقف هشّ للنار، بقاء السلاح تحت الأرض، ترتيبات دولية مؤقتة لا تغيّر جوهر النزاع. سلامٌ مؤقت، لكنه لا يوقف دورة الدم.
المقاومة: مغامرة وبُعد نظر
قرار حماس لم يكن مناورةً سطحية. القبول المشروط هو مغامرةٌ كبرى، لكنه أيضًا تعبيرٌ عن بُعد نظرٍ استراتيجي. فهي تدرك أن الاستسلام يفقدها جمهورها وشرعية تضحياتها، والرفض المطلق يعزلها دوليًا ويمنح إسرائيل ذريعةً لمزيدٍ من الحرب. اختارت السير على الحبل: انفتاحٌ على التفاوض دون الاستسلام للسقف الأميركي – الإسرائيلي.
إنها معادلة دقيقة: مغامرة، لأنها تضعها أمام ضغوط هائلة، وبُعد نظر، لأنها تحفظ سلاحها كورقة ردع وتمنحها الوقت لإعادة التموضع. والتاريخ يعلّم أن المقاومة أحيانًا تربح بالصبر أكثر مما تربح بالاستعجال.
ردود الفعل العالمية: تنفّس الصعداء
العالم لم يقف متفرجًا. في أوروبا، رأت برلين وباريس أن خطة ترامب – رغم ثغراتها – أفضل من استمرار المذبحة. في أنقرة، عبّر أردوغان عن ارتياحه لأي خطوةٍ توقف الحرب. الأمم المتحدة رحبت بالهدنة ولو مؤقتة، ووصفتها بأنها "نافذة أمل". في واشنطن، الإعلام الأميركي انقسم بين من يرى في ترامب مبادرًا سياسيًا، ومن اعتبره باحثًا عن صورةٍ إعلامية. الصين وروسيا، من جهتهما، استغلتا الموقف للتشكيك في النوايا الأميركية، لكنهما أيضًا رحبتا بوقف إطلاق النار.
هذه الردود لم تمنح ترامب اللقب الذي يسعى إليه، لكنها جعلت المجتمع الدولي يتنفس الصعداء، ولو مؤقتًا، أمام خطر حربٍ إقليمية أكبر
عباءة لا تُمنح مجانًا
الشرق الأوسط علّم العالم أن الألقاب لا تُمنح في المؤتمرات الصحفية، بل على الأرض. إذا استطاع ترامب أن يحوّل القبول المشروط إلى اتفاقٍ متماسك، فسيُسجل له أنه أوقف حربًا دامية. أما إذا فشل، فسيدخل التاريخ كزعيمٍ مرّ فوق الدماء بحثًا عن صورةٍ وخرج بلا إنجاز.
غزة ستبقى هي الشاهد. إما أن تتحول إلى بوابة عبورٍ نحو سلامٍ ناقص، أو إلى قبرٍ سياسي جديد يُضاف إلى مقبرة الوعود الأميركية. وعباءة "رجل السلام" لن تُمنح لترامب أو لغيره إلا إذا توقفت الدماء فعلًا، لا إذا توقفت الكلمات عند حدود الكاميرات.



