خبرني - داخل كل بيت، قد تجري أمور من الصعب لا يراها احد، لكنها تترك أثرًا عميقًا على القلوب والعقول. من هذه الأمور المراوغة العاطفية، حين يستخدم أحد أفراد الأسرة المشاعر كأداة للسيطرة بدل المواجهة المباشرة. قد تكون أم تبكي لتدفع طفلها الانصياع لاوامرها وتعليماتها وفعل ما تريد، أو أب يجعل ابنه يشعر بالذنب لأنه لم يحقق أحلامه، أيضًا، حين يستخدم أحد الزوجين المشاعر كسلاح للسيطرة بدل الحوار، قد يكون زوجًا يختار الصمت المتعمد لأيام حتى تلبي زوجته رغباته، أو زوجة تقول لزوجها لو كنت تحبني حقًا لما فعلت ذلك فتجعله يعيش شعورًا دائمًا بالذنب. هذه الأساليب لا تُقال بصوت مرتفع، لكنها تترك الطرف الآخر في دوامة من الحيرة والتعب النفسي.
يبيّن علم النفس أن المراوغة العاطفية ليست مجرد تصرف عابر أو عفوي، بل غالبًا ما تعود جذورها إلى التربية والتجارب المبكرة في الحياة. فـ نظرية التعلق، توضح ان من افتقدوا الأمان العاطفي في طفولتهم قد يلجأون لاحقًا إلى المراوغة كوسيلة دفاعية لحماية أنفسهم من الرفض أو الخسارة، أما نظرية التبادل الاجتماعي فترى أن الشخص المراوغ يحسب الأمور بمنطق الربح والخسارة، فيختار التلاعب بالمشاعر لأنه يراه الخيار الأقل كلفة والأكثر ضمانًا لتحقيق ما يريد.
الأثر داخل الأسرة بالغ العمق. الأطفال الذين يكبرون في أجواء المراوغة يتعلمون مبكرًا أن الحب مشروط وأن القبول يتطلب التضحية بمشاعرهم الحقيقية، هؤلاء الأطفال قد يصبحون بالغين غير واثقين بأنفسهم، أو شركاء في المستقبل يمارسون نفس اللعبة من حيث لا يشعرون، إن النساء اللواتي يتعرضن لهذه الممارسات قد يحملن صمتًا ثقيلًا، ويخترن التضحية بأنفسهن من أجل بقاء الأسرة، فيما الرجال قد يعيشون تحت ضغط داخلي بين الرغبة في قيادة الاسرة والشعور بالاتهام الدائم بالتقصير.
المراوغة العاطفية، إذن، ليست مجرد سلوك عابر داخل جدران البيت، بل هي حلقة تنتقل من جيل إلى آخر إذا لم يتم كسرها والتخلص منها، والوعي هو الخطوة الأولى، أن نسمي الأشياء بأسمائها، وأن ندرك أن الابتزاز العاطفي ليس حبًا، وأن الصمت المليء باللوم ليس حنانًا، وأن البرود في العلاقة المقصود ليس حقًا من حقوق الشريك.
في النهاية، تبقى الأسرة التي تُبنى على الصراحة والوضوح والاحترام أقوى، حتى لو تعثرت أو واجهت مطبات مختلفة. فالبيت الذي جدرانه من الأمان النفسي، يخرج أبناءً واثقين قادرين على مواجهة الحياة، بينما البيت الذي تغزوه المراوغة والتلاعب، يزرع في قلوبهم خوفًا لا ينتهي. إن أخطر ما في المراوغة العاطفية أنها تُربك الضحية حتى يشك في نفسه بدل أن يشك في من يؤذيه، فيعيش مقيدًا بقيود لا يراها أحد. وهي لا تهدم الأسرة دفعة واحدة، بل تنخرها ببطء وصمت، إلى أن يتحول البيت إلى جدران قائمة، لكنها خاوية من الأمان.




