Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

هل نحن بحاجة إلى دستور جديد ؟

هل نحن بحاجة إلى دستور جديد ؟

يكاد لا يخلو أي حدث سياسي أو اجتماعي في الأردن من توجيه الانتقادات إلى نصوص الدستور، حيث توجه إليه أصابع الاتهام بأنه المسؤول المباشر عما جرى. وهذا الموقف من جانب يعتبر ظاهرة صحية تترجم مبدأ سمو الدستور، وبأنه الوثيقة العليا في الدولة التي ينظر إليها الجميع بأنها الضامنة لحقوق الأفراد وحرياتهم، وبأن جميع السلطات الحاكمة يجب أن تستظل بظلاله.

في المقابل، فإن موقف القوى السياسية والشعبية من الدستور الأردني يمتاز بعدم الوضوح والثبات، إذ أن مطالبهم في مواجهة الدستور الوطني تختلف من فترة لأخرى. فعند هبوب رياح الربيع العربي، تعالت أصوات الاحتجاجات في شوارع  الأردن ودواويرها تطالب بالعودة إلى دستور الملك طلال بحلته الأصلية التي صدرت في عام 1952، وبأنه يجب إلغاء جميع التعديلات الدستورية التي خضع لها. فقد رأى الحراك الشعبي والسياسي أن تلك التعديلات قد شوهت نصوص الدستور، وأنها أخلت بمرتكزاته الأساسية التي ارتضى بها الحاكم والمحكوم في ذلك الوقت.

مثل هذا المطلب الإصلاحي قد عبّرت عنه الأصوات الهاتفة في الشوارع دون أن تعي حقيقة النصوص الدستورية التي تضمنها دستور عام 1952 بحلته الأصلية، والتي لو كانت معروفة لديهم لتغير موقفهم دون أدنى شك. فالنص الأصلي للمادة (33/2) من الدستور بحلته التي صدرت في عام 1952 كانت تجيز إبرام المعاهدات والاتفاقيات التي يترتب عليها تعديل في أراضي الدولة أو تنقص في حقوق سيادتها. فهذا الحكم الذي جرى إلغاؤه في عام 1958، سيعود إلى الحياة في حال قبلت الدولة الأردنية المطالب الإصلاحية بالعودة إلى دستور الملك طلال.

وبعد حدوث الخلاف الأخير في الأسرة المالكة، سارعت الأصوات السياسية والشعبية إلى طرح مطلب إصلاحي جديد، يتمثل في إصدار دستور جديد في الأردن. فموقف قوى "المعارضة" من الدستور الأردني قد شهد تغييرا جوهريا، من المطالبة بالعودة إلى الأصالة والمبادئ الواردة في دستور الملك طلال، إلى طلب إصدار دستور جديد.

إن الحق في حرية الرأي والتعبير التي كفلها الدستور الأردني توجب علينا احترام جميع الآراء والمقترحات التي يعبر عنها أصحابها. في المقابل، فإنه يقع لزاما على هذه الأصوات التي ارتفع لديها مؤخرا منسوب الوطنية أن تقدم ولو سببا أو مبررا واحدا يقنع الدولة الأردنية بهجر دستورها الحالي، والعمل على إصدار دستور جديد.

فكما هو الحال بالنسبة لمنتقدي قانون الانتخاب النافذ الذين يطالبون بقانون "عصري"، فإن معارضي الدستور الحالي يطالبون بدستور "تقدمي"، دون أن تتوافر لديهم القدرة على تقديم مفهوم واضح ومحدد "للتقدمية" التي يرغبون في إدخالها الدستور الأردني الجديد الذي يطالبون بإصداره.

إن الدستور الأردني يعد وثيقة حية تعكس نبض العقد الاجتماعي المبرم بين الحاكم والمحكوم. بالتالي، فمن الطبيعي أن تقوم السلطة الحاكمة بإعادة النظر في نصوصه وأحكامه كلما دعت الحاجة إلى ذلك. في المقابل، فإن المأمول من القوى السياسية والحزبية أن تتقدم بمقترحات وتوصيات قائمة على فهم دستوري سليم، وذلك لكي يتم الضغط على الجهات المعنية لتضمنيها نصوص الدستور. فهذا الموقف المساند للسلطة يُعبر عن وطنية أكبر من تلك التي تنادي بإصدار دستور جديد في الأردن دون تقديم مبررات دستورية مقبولة.

 

 

* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية

[email protected]

Khaberni Banner