خبرني - كشفت دراسة صينية شملت نحو 27 ألف رجل عن ارتباط ارتداء الملابس الداخلية الضيقة بتراجع جودة الحيوانات المنوية وارتفاع تلف الحمض النووي بنسبة 108%، وربما يعود ذلك إلى ارتفاع حرارة الخصيتين وضعف التهوية.
وشملت الدراسة، التي أجراها باحثون في الصين ونُشرت بمجلة "آسيان جورنال أوف أندرولوجي" (Asian Journal of Andrology)، نحو 27 ألف رجل خضعوا لتقييمات تتعلق بالخصوبة، لتكون واحدة من أكبر الدراسات التي تناولت العلاقة بين نوع الملابس الداخلية والصحة الإنجابية للرجال.
ولم يكن الاختلاف بين المجموعتين مقتصرا على عدد الحيوانات المنوية أو قدرتها على الحركة، بل امتد إلى سلامة مادتها الوراثية، وهو ما أثار تساؤلات بشأن التأثير المحتمل لعادات يومية بسيطة في قدرة الرجل على الإنجاب.
ماذا كشفت الدراسة؟
حلل الباحثون بيانات 26 ألفا و836 رجلا، بلغ العمر الوسيط لهم نحو 30 عاما، وكان 21 ألفا و221 منهم يرتدون ملابس داخلية فضفاضة، مقابل 5615 رجلا اعتادوا ارتداء الأنواع الضيقة.
وكشفت المقارنة بين المجموعتين عن فروق في عدد من المؤشرات المهمة لجودة السائل المنوي، إذ ارتبط ارتداء الملابس الضيقة بارتفاع أرجحية انخفاض حجم السائل المنوي بنسبة 18%، وانخفاض العدد الإجمالي للحيوانات المنوية المتحركة بنسبة 12%، فضلا عن ارتفاع أرجحية انخفاض نسبة الحيوانات المنوية طبيعية الشكل بنسبة 48%.
أما النتيجة الأكثر لفتا للانتباه، فتعلقت بالحمض النووي داخل الحيوانات المنوية، حيث ارتفعت أرجحية تسجيل مستويات عالية من تكسّر المادة الوراثية بنسبة 108% لدى مرتدي الملابس الضيقة، مقارنة بمن يفضلون الملابس الفضفاضة.
ولا تعني هذه النسبة أن تلف الحيوانات المنوية تضاعف لكل رجل يرتدي ملابس ضيقة، وإنما تعكس ارتفاعا في الأرجحية الإحصائية لظهور مستويات مرتفعة من هذا المؤشر.
ويحظى تكسّر الحمض النووي باهتمام الباحثين لأنه يرتبط بسلامة المادة الوراثية التي تحملها الحيوانات المنوية، وإن كان ارتفاع هذا المؤشر وحده لا يكفي للحكم على قدرة الرجل على الإنجاب.
ما تأثير الملابس الداخلية؟
يرتبط أحد التفسيرات المحتملة لنتائج الدراسة بدرجة الحرارة التي تحتاجها الخصيتان لإنتاج الحيوانات المنوية. فالخصيتان توجدان خارج التجويف الرئيسي للجسم، بما يساعد على إبقاء حرارتهما أقل من درجة حرارة الجسم الأساسية بنحو درجتين إلى ٣ درجات مئوية، وهي بيئة مناسبة لتكوين الحيوانات المنوية ونضجها.
وعندما ترتفع درجة الحرارة المحيطة بالخصيتين لفترات طويلة، يمكن أن تتأثر بعض العمليات الحيوية المشاركة في إنتاج الحيوانات المنوية.
ومن هنا جاء اهتمام الباحثين بالملابس الداخلية الضيقة، التي ربما تقلل التهوية حول كيس الصفن وتزيد احتباس الحرارة، خصوصا مع الجلوس لساعات طويلة أو ارتداء ملابس متعددة الطبقات.
وسبق أن رصدت دراسات اختلافات في حرارة كيس الصفن بين أنواع الملابس الداخلية، وصلت في بعض القياسات إلى نحو درجة مئوية واحدة.
لكن العلاقة ليست بهذه البساطة؛ فدرجة الحرارة تتأثر أيضا بطبيعة النشاط البدني, ومدة الجلوس، وحرارة البيئة المحيطة، فضلا عن عوامل صحية وشخصية أخرى.
ولذلك يبقى ارتفاع الحرارة تفسيرا محتملا للفروق التي رصدتها الدراسة الصينية، وليس سببا ثبت بصورة قاطعة أنه المسؤول عنها.
هل تؤثر الملابس الضيقة في القدرة الجنسية؟
لم تقتصر النتائج على تحليل السائل المنوي، إذ رصد الباحثون اختلافات في معدلات ضعف الانتصاب وسرعة القذف بين المجموعتين.
فقد سجل 62.7% من مرتدي الملابس الداخلية الضيقة مؤشرات على ضعف الانتصاب، مقارنة بـ57.8% بين مرتدي الملابس الفضفاضة، وظهرت فروق أيضا في سرعة القذف، التي بلغت نسبتها 30.8% لدى المجموعة الأولى، مقابل 23.2% لدى المجموعة الثانية.
ورغم أن هذه النتائج بدت لافتة، فإنها لا تعني أن الملابس الضيقة تتسبب مباشرة في ضعف الانتصاب أو سرعة القذف؛ فهذه الاضطرابات تتداخل فيها عوامل نفسية وعصبية وهرمونية ووعائية، إلى جانب الحالة الصحية العامة.
كما أظهرت بيانات الدراسة أن بعض العوامل المرتبطة بالصحة الإنجابية، مثل التدخين واستهلاك الكحول ودوالي الخصية والتهاب البروستاتا، كانت أكثر انتشارا بين مرتدي الملابس الضيقة.
وحاول الباحثون مراعاة هذه الاختلافات عند تحليل النتائج، لكن ذلك لا يستبعد تماما تأثير عوامل أخرى لم تتمكن الدراسة من قياسها.
ماذا تقول الأبحاث السابقة؟
قبل 8 سنوات هذه الدراسة، توصل باحثون من جامعة هارفارد الأمريكية إلى نتائج تدعم احتمال وجود علاقة بين نوع الملابس الداخلية وجودة الحيوانات المنوية.
ففي دراسة نُشرت عام 2018 وشملت 656 رجلا يترددون على مركز لعلاج مشكلات الخصوبة، وجد الباحثون أن الذين اعتادوا ارتداء الملابس الداخلية الفضفاضة سجلوا تركيزا أعلى للحيوانات المنوية بنسبة 25%، وعددا إجماليا أكبر بنسبة 17%، مقارنة بالرجال الذين لم يعتادوا ارتداء هذا النوع.
غير أن الأبحاث التي تناولت هذه المسألة لم تتوصل جميعها إلى النتيجة نفسها، إذ لم ترصد بعض الدراسات فروقا واضحة في مؤشرات الخصوبة ترتبط بنوع الملابس الداخلية.
ولا يزال العلماء يفتقرون إلى أدلة كافية تثبت أن استبدال الملابس الضيقة بأخرى فضفاضة يؤدي وحده إلى تحسين فرص حدوث الحمل.
هل ينبغي على الرجال التخلي عن الملابس الضيقة؟
لا يوجد دليل علمي قاطع يثبت أن ارتداء الملابس الداخلية الضيقة يسبب العقم، كما أن نتائج الدراسة لا تعني أن كل رجل يفضل هذا النوع من الملابس معرض بالضرورة لمشكلات في الإنجاب.
فالدراسة اعتمدت على تحليل بيانات رجال خضعوا لتقييمات متعلقة بالخصوبة، ولم تتابع المشاركين بعد تغيير نوع ملابسهم لمعرفة ما إذا كانت مؤشرات السائل المنوي ستتحسن.
كذلك لا يمكن تعميم النتائج تلقائيا على جميع الرجال، نظرا إلى طبيعة العينة والعوامل الصحية التي ربما أثرت في المقارنة.
ومع ذلك، فإن اختيار الملابس الداخلية المريحة والفضفاضة نسبيا قد يكون وسيلة بسيطة لتقليل احتباس الحرارة حول الخصيتين، خصوصا لمن يحاولون الإنجاب أو يعانون من اضطرابات في نتائج تحليل السائل المنوي.
أما الرجال الذين يواجهون صعوبات في الإنجاب، فلا ينبغي لهم الاكتفاء بتغيير ملابسهم، بل يحتاجون إلى تقييم طبي يحدد الأسباب المحتملة، سواء تعلقت بالهرمونات أو دوالي الخصية أو غيرها من المشكلات الصحية.
وتبقى أهمية الدراسة في أنها تلفت الانتباه إلى عامل يومي يسهل تغييره، لكنها لا تقدم حكما نهائيا بشأن تأثيره على الخصوبة.
فالملابس الداخلية ربما تكون جزءا صغيرا من الصورة، لكنها ليست العامل الوحيد الذي يحدد صحة الحيوانات المنوية أو قدرة الرجل على الإنجاب.



