خبرني - هل يُهدد الذكاء الاصطناعي وظائفنا؟ سؤال يتكرر في كل وقت وفي كل مكان في ظل الطفرات الهائلة والمتسارعة التي يشهدها الذكاء الاصطناعي.
حالة التشاؤم والخوف تسيطر على العديد من الأشخاص في مختلف المهن، في ظل الاختراقات العظيمة التي تقوم بها برامج الذكاء الاصطناعي وقدراتها على القيام بالعديد من الوظائف بسرعة أكبر وبدقة متناهية.
هذه الرؤية تؤكدها الأرقام واستطلاعات الرأي، فقد أظهر استطلاع رأي حديث أجرته مؤسسة غالوب وجامعة بنتلي أن ما يقرب من 80% من الأشخاص يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى فقدان وظائف خلال العقد المقبل.
أما قادة صناعة الذكاء الاصطناعي، فهم أكثر انقساما في آرائهم. فبعضهم، مثل الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك، داريو أمودي، يعتقد أن الذكاء الاصطناعي قد يقضي على العديد من الوظائف المكتبية في السنوات القليلة المقبلة.
بينما يرى آخرون، مثل الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا، جنسن هوانغ، أن الذكاء الاصطناعي سيُعيد تشكيل الأدوار الوظيفية الحالية، بل وسيخلق وظائف أكثر مما لدينا الآن.
هل المستقبل الذي نواجهه يتمثل في كارثة فقدان الوظائف أم تحول جذري في سوق العمل؟
السؤال نفسه يقودنا لسؤال آخر، ماذا لو انفجرت فقاعة الذكاء الاصطناعي، مما يؤدي إلى حدوث ركود اقتصادي، ثم يتسبب هذا الركود بدوره في تسريع وتيرة استبدال العمال بالذكاء الاصطناعي؟ وما هو ما يمكن أن نطلق عليه "الضربة المزدوجة للذكاء الاصطناعي".
هناك مساران من البحوث الاقتصادية يتبنيان هذا السيناريو، الأول يتعلق بتاريخ الفقاعات المالية، والثاني يتعلق بعلاقة مفاجئة بين فترات الركود الاقتصادي والأتمتة، أي عندما تلجأ الشركات إلى استخدام التكنولوجيا لإنجاز مهام كان يؤديها البشر سابقا.
في عام 1978، أصدر الاقتصادي تشارلز كيندلبيرغر كتابا بعنوان "الهوس والذعر والانهيار: تاريخ الأزمات المالية"، استعرض خلاله قرونا من التاريخ الاقتصادي، ليجد نمطا يتكرر باستمرار.
غالبا ما تبدأ الفقاعة بحدوث تغيير جوهري محتمل في الاقتصاد، كظهور تقنية ثورية جديدة، تعد بإحداث تحول جذري في قطاعات صناعية بأكملها وتوليد ثروات هائلة. يجد المستثمرون في ذلك مبررا قويا للحماس، لكنهم يفرطون في هذا الحماس، إذ يندفعون خلال مرحلة الصعود لضخ مبالغ طائلة، مدفوعين بتوقعات لا سقف لها.
ووسط هذا الحماس، يلجأون غالبا إلى الاستدانة لتمويل رهانات أكبر، مما يسهم بدوره في تأجيج الطفرة الاقتصادية. ومع الوقت، قد تتحول هذه الديون إلى قنبلة موقوتة، فعندما تصطدم التوقعات بالواقع، تهبط أسعار الأصول، بينما تظل الديون قائمة.
وفي هذه الحالة، يواجه المقترضون صعوبات في السداد، ويتكبد المقرضون خسائر فادحة، مما قد يؤدي إلى انهيار في السوق، يتطور بدوره إلى أزمة مالية وركود اقتصادي مؤلم.
ومع تطبيق هذه الرؤية على وضعية الذكاء الاصطناعي الحالية، سنجد أنها تكنولوجيا ثورية بحق، ويمكن أن تكون سببا في نشوء فقاعة تنتهي بانهيار مالي.
وإذا أخذنا السكك الحديدية كمثال، وكيف أدى انهيارها إلى اندلاع ما عُرف بـ"ذعر عام 1873". وقد ساهمت الاضطرابات الاقتصادية التي تلت ذلك في تأجيج نزعة شعبوية، كما مهدت الطريق لأول حملة كبرى لتقييد الهجرة في التاريخ الأمريكي.
يعد الذكاء الاصطناعي حاليا الركيزة الأساسية التي تدعم سوق الأسهم الأمريكية، فقد أظهر تحليل أجراه بنك "جي بي مورغان" في وقت سابق من أكتوبر/تشرين الأول أن 42 شركة فقط مرتبطة بالذكاء الاصطناعي كانت مسؤولة عن نحو ثلثي مكاسب أسعار الأسهم في مؤشر "إس أند بي 500" (S&P 500) منذ مطلع عام 2024، وفقا لبيانات نشرتها هيئة الإذاعة الوطنية الأمريكية.
وفي الوقت ذاته، تقترض هذه الشركات مئات المليارات من الدولارات لتمويل مراكز البيانات والبنية التحتية للطاقة اللازمة لتشغيلها.
ولا يعني هذا بالضرورة أن ما نشهده حاليا يمثل "فقاعة"، أو أن هذه الديون تشكل قنبلة موقوتة تهدد النظام المالي. فعندما انفجرت فقاعة شركات الإنترنت (دوت كوم) سابقا، أدى ذلك إلى ركود اقتصادي معتدل نسبيا، إذ كان للدين دور محدود في ذلك الطفرة، مما ساعد في احتواء التداعيات المالية، ولم يؤد انهيارها إلى أزمة مالية شاملة كتلك التي أعقبت انهيار سوق الإسكان عام 2008.
والسؤال الآن.. في غياب أزمة مالية شاملة.. هل تتمكن هذه الشركات من تحقيق أرباح كافية لتبرير حجم الاقتراض والإنفاق الهائل؟ وهل ستنجو كل واحدة منها؟
حذر المحلل التقني الأمريكي "بينيديكت إيفانز" من أن المنافسة الشرسة بين الشركات التي تقدم نماذج ذكاء اصطناعي ذات قدرات متقاربة قد تؤدي إلى خفض الأسعار التي يمكنها فرضها، مما يترك هامشا ضئيلا جدا للربح، وذلك في الوقت الذي تنفق فيه هذه الشركات مبالغ طائلة تفوق التصور لتطوير وتشغيل هذه النماذج.
إذا تسبب انهيار في قطاع الذكاء الاصطناعي في حدوث ركود اقتصادي، فهناك دراسات تزيد من المخاوف، إذ تشير إلى أن فترات الركود قد تكون اللحظة التي تلجأ فيها الشركات إلى تقنيات جديدة لاستبدال العمال.
غالبا ما نتصور الأتمتة كعملية تدريجية، حيث تتطور التكنولوجيا، وتتبناها الشركات، فتتغير الوظائف ببطء أو تختفي، بينما تظهر نظريا وظائف جديدة في قطاعات أخرى من الاقتصاد. غير أن هذه الأبحاث تشير إلى أن الأتمتة قد تحدث على شكل طفرات مفاجئة، وأن هذه الطفرات تميل إلى التمركز حول فترات الركود الاقتصادي.
توصلت دراسة أجراها الاقتصاديان الأمريكيان نير جايموفيتش وهنري سيو إلى أن الوظائف المعرضة لخطر الأتمتة كما شهدنا في موجات سابقة قد سجلت معظم تراجعها خلال فترات الركود الاقتصادي.
ففي الفترة ما بين عامي 1990 و2017، حدث 88% من الانخفاض في حصة الأمريكيين العاملين في هذه الوظائف إما أثناء فترات الركود، أو في الأشهر التي سبقت تلك الفترات أو تلتها مباشرة.
وهنا تكمن مفارقة مقلقة، فالمنافسة الشرسة على الأسعار قد تمنع شركات الذكاء الاصطناعي من تحقيق الأرباح التي يتوقعها المستثمرون، بينما تجعل تقنياتها في الوقت ذاته أرخص تكلفة للشركات الأخرى، مما يشجعها على استخدامها كبديل للعنصر البشري.
وإذا ما أدى انهيار في قطاع الذكاء الاصطناعي إلى حدوث ركود اقتصادي، فقد يسرّع هذا التراجع من وتيرة استبدال العمال، فيخسر المستثمرون أموالهم، بينما يفقد العمال وظائفهم.
هذا سيناريو أشبه بالكابوس، إذ يؤدي الانهيار أولا إلى تدمير المدخرات المخصصة للتقاعد، ثم مع سعي الشركات المحموم لخفض التكاليف تضيع وظائف كثيرة إلى الأبد.
لكن الرؤية العامة للقطاع لم تتضح بعد، بشأن ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيحقق أرباحا كافية لتبرير كل عمليات الاقتراض والإنفاق هذه، وما إذا كان أي انهيار قد يتسبب في ركود مؤلم، أو ما إذا كانت أنماط الأتمتة التي رُصدت في فترات الركود السابقة ستتكرر مع الذكاء الاصطناعي؟
من المحتمل أن يؤدي أي تراجع اقتصادي إلى تقليص الموارد المالية المتاحة للشركات للاستثمار في الذكاء الاصطناعي. كما قد يثبت الذكاء الاصطناعي في نهاية المطاف أنه أكثر فائدة في تعزيز إنتاجية العمال بدلا من استبدالهم بالكامل.
وسواء تسبب الذكاء الاصطناعي في صدمة واحدة أو اثنتين أو لم يتسبب في أي شيء، تظل هناك سياسات يمكنها الحد من الأضرار التي تلحق بالعمال عند فقدان وظائفهم، كتأمين البطالة وغيره من التدابير المماثلة في بعض الدول.
بل إن شخصيات مثل الملياردير الأمريكي بيل غيتس تقترح فرض ضرائب على الذكاء الاصطناعي والروبوتات، لجعل الإبقاء على العمال البشر خيارا أكثر جدوى اقتصاديا، وفي الوقت ذاته توفير إيرادات يمكن للحكومات استخدامها لتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي.
هذا الطرح يؤكد أنه هناك أسباب قد تجعل هذا الكابوس لا يتحقق أبدا، وهناك أيضا طرق للحد من آثاره إذا ما وقع بالفعل، ومع ذلك، لا يمنع هذا من القلق بشأنه.
بعيدا عن هذا الطرح ورؤي الخبراء.. هل علينا أن نخاف ونقلق على مستقبل الوظائف؟
كشف "تقرير مستقبل الوظائف لعام 2025"، الذي أصدره المنتدى الاقتصادي العالمي في 2025 أن 22% من الوظائف ستشهد تحولات جذرية بحلول عام 2030، حيث سيتم استحداث 170 مليون وظيفة جديدة، بينما ستختفي 92 مليون وظيفة، مما يعني زيادة صافية قدرها 78 مليون وظيفة.
وتُعد التطورات التكنولوجية، والتحولات الديموغرافية، والتوترات الجيواقتصادية، والضغوط الاقتصادية، المحركات الرئيسية لهذه التغييرات التي تعيد تشكيل القطاعات والمهن حول العالم.
وبناءً على بيانات مستمدة من أكثر من 1000 شركة، يشير التقرير إلى أن "فجوة المهارات" لا تزال تمثل العائق الأكبر أمام تحول الأعمال، إذ من المتوقع أن تتغير نحو 40% من المهارات المطلوبة في الوظائف، في حين يؤكد 63% من أصحاب العمل أن هذه الفجوة هي التحدي الرئيسي الذي يواجهونه.
ومن المتوقع أن يشهد الطلب على المهارات التقنية في مجالات الذكاء الاصطناعي، والبيانات الضخمة، والأمن السيبراني نموا سريعا، بينما ستظل المهارات البشرية مثل التفكير الإبداعي، والمرونة، والقدرة على التكيف، والسرعة في الاستجابة بالغة الأهمية. وسيكون الجمع بين هذين النوعين من المهارات أمرا حيويا بشكل متزايد في ظل سوق عمل يتسم بتغيرات سريعة.
ومن المتوقع أن تشهد الوظائف المباشرة والقطاعات الحيوية، مثل الرعاية والتعليم، أعلى معدلات نمو وظيفي بحلول عام 2030. وفي الوقت ذاته، تؤدي التطورات في مجالي الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة إلى إعادة تشكيل السوق، مما يعزز الطلب على العديد من الأدوار التقنية والمتخصصة، بينما يؤدي في المقابل إلى تراجع الطلب على أدوار أخرى، مثل مصممي الجرافيك.
ومن المتوقع أن تشهد الوظائف الميدانية بما في ذلك عمال المزارع، وسائقو التوصيل، وعمال البناء أكبر نمو في أعداد الوظائف بحلول عام 2030.
كما يُتوقع حدوث زيادات ملموسة في وظائف الرعاية، مثل التمريض، ووظائف قطاع التعليم، مثل معلمي المدارس الثانوية، وفي الوقت ذاته، من المنتظر أن يؤدي التقدم في مجالات الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، وأنظمة الطاقة لا سيما في قطاعي الطاقة المتجددة والهندسة البيئية إلى زيادة الطلب على الأدوار المتخصصة في هذه المجالات.
ومن ناحية أخرى، تظل وظائف مثل أمناء الصناديق المحاسبين في نقاط البيع والمساعدين الإداريين من بين الوظائف الأكثر تراجعا، وقد انضمت إليها الآن مهن أخرى مثل مصممي الغرافيك في ظل التغيرات السريعة التي يحدثها الذكاء الاصطناعي التوليدي في سوق العمل.
وفي حين يُتوقع أن تشهد المهارات التقنية مثل الذكاء الاصطناعي، والبيانات الضخمة، والشبكات، والأمن السيبراني أسرع نمو في الطلب، ستظل المهارات البشرية كالتفكير التحليلي، والقدرات الإدراكية، والمرونة، والقيادة، والتعاون ركائز أساسية بالغة الأهمية. ومع ظهور وظائف جديدة، سيزداد الطلب على مزيج يجمع بين كلا النوعين من المهارات.
فالذكاء الاصطناعي يعيد صياغة نماذج الأعمال، إذ يخطط نصف أصحاب العمل على مستوى العالم لتعديل مسار أعمالهم بهدف استغلال الفرص الجديدة التي تتيحها هذه التكنولوجيا.
ومن المتوقع أن تكون الاستجابة الأكثر شيوعا من جانب جهات العمل هي رفع مهارات الموظفين، وهو ما يعتزم القيام به 77% من أصحاب العمل.
في المقابل، يخطط 41% منهم لتقليص حجم قوتهم العاملة مع تولي الذكاء الاصطناعي أتمتة مهام محددة. ويتوقع نحو نصف أصحاب العمل نقل الموظفين من الأدوار الأكثر عرضة للتأثر بالذكاء الاصطناعي إلى قطاعات أخرى داخل مؤسساتهم؛ وهي خطوة تتيح معالجة نقص المهارات، مع تقليل التكلفة البشرية المصاحبة للتحول التكنولوجي.
وفي ظل النمو المتسارع للتقنيات الناشئة، يتعين على قادة الأعمال وصناع السياسات والعاملين التعاون معا لضمان جاهزية القوى العاملة، والحد في الوقت ذاته من مخاطر البطالة عبر مختلف القطاعات والمناطق الجغرافية.



