*
الاثنين: 26 أكتوبر 2026
  • 26 أكتوبر 2026
  • 19:50
من حمود الكرك إلى وجدان الوطن
الكاتب: د. حكمت الطراونة

تتجلى قيمة القيادة الحقيقية في اللحظات الاستثنائية، حين تتعرض المجتمعات لامتحانات قاسية تمس أمنها واستقرارها، وتختبر قدرتها على التماسك في مواجهة الخوف والألم ومحاولات بث الفرقة. ففي هذه الظروف، لا تكون المواقف مجرد استجابات للأحداث، بل رسائل سياسية وإنسانية ووطنية تعزز ثقة المجتمع بمؤسساته، وتؤكد قدرة الدولة على حماية مواطنيها وصون وحدتهم.

ومن هذا المنطلق، تأتي الوقفة الملكية لجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين مع أهالي قرية حمود في محافظة الكرك، عقب الاعتداء الإرهابي الذي أودى بحياة عدد من المواطنين، بوصفها موقفًا يتجاوز حدود المواساة وتقديم واجب العزاء. فهي تؤكد عمق العلاقة بين القيادة والشعب، وتجدد التأكيد أن أمن الأردنيين وكرامتهم ووحدتهم الوطنية ثوابت لا تقبل المساومة.

حمود الكرك... جرح محلي ووجدان وطني

إن ما شهدته قرية حمود ليس شأنًا محليًا معزولًا، بل حدث أصاب الوجدان الوطني في عمقه؛ لأن الاعتداء على الإنسان الآمن، ولا سيما في دور العبادة، يمثل انتهاكًا لقيم المواطنة والكرامة الإنسانية، واعتداءً على الحق في الحياة والأمن وممارسة الشعائر بحرية وطمأنينة.

لذلك، فإن حصر الحادثة في مكانها الجغرافي يغفل معناها الأوسع. فحمود ليست وحدها في مواجهة الألم، والكرك ليست وحدها في تحمل تبعاته، بل إن المصاب يمس الأردن بأسره، لأن رابطة المواطنة لا تتجزأ، ولأن أمن المواطن الأردني، أيًا كان دينه أو انتماؤه الاجتماعي، جزء من أمن الوطن وكرامته.

وقد أظهرت المواقف الرسمية والشعبية أن محاولات الاعتداء على النسيج الاجتماعي لا تواجهها الدولة وحدها، بل يقف في مواجهتها مجتمع يمتلك رصيدًا من التعايش والتكافل والروابط التاريخية. وهنا تتجلى القيمة الحقيقية للوحدة الوطنية؛ فهي ليست شعارًا في أوقات الرخاء، بل موقف عملي يظهر حين يصبح التمسك بها ضرورة لحماية المجتمع من الانقسام والخوف.

الموقف الملكي... حضور القيادة في لحظة الألم

إن زيارة جلالة الملك إلى قرية حمود لتقديم واجب العزاء تحمل رسالة إنسانية ووطنية واضحة. فحضور القيادة في لحظات الفقد ليس إجراءً بروتوكوليًا، بل تعبير عن المشاركة في الألم، وتأكيد أن الدولة لا تقف على مسافة من مواطنيها حين يواجهون المحن، وإنما تتحمل مسؤوليتها تجاههم، وتضع أمنهم وكرامتهم في صلب أولوياتها.

ويتجلى هذا الموقف في ثلاثة أبعاد مترابطة. أولها البعد الإنساني، من خلال مواساة أسر الشهداء والوقوف إلى جانب ذويهم، بما يؤكد أن الضحايا ليسوا أرقامًا في سجل الأحداث، بل مواطنون لهم أسر وذكريات وحقوق، وأن واجب الدولة والمجتمع تجاههم لا ينتهي بانتهاء الحدث الأمني.

وثانيها البعد السياسي والمؤسسي، إذ تؤكد القيادة أن مواجهة الإرهاب مسؤولية دولة ومؤسسات، وأن التعامل مع الاعتداءات يجب أن يستند إلى الجاهزية والكفاءة وسيادة القانون والمساءلة. فالطمأنينة لا تتحقق بالخطاب وحده، وإنما بتكامل الموقف السياسي مع الأداء الأمني والقضائي الفاعل والعادل.

أما البعد الثالث فهو وطني، إذ يبعث برسالة مفادها أن الاعتداء على مجموعة من الأردنيين لا يمكن أن يتحول إلى مدخل للتفريق بينهم، وأن اختلاف الدين أو الخلفية الاجتماعية لا ينتقص من وحدة الانتماء إلى الوطن. وبذلك تصبح الوقفة الملكية رسالة تضامن مع أهالي حمود، وطمأنة إلى الأردنيين جميعًا، وتأكيدًا أن مواجهة الإرهاب لا تنفصل عن حماية الإنسان وتعزيز الثقة وترسيخ المواطنة.

بين الحزم الأمني والحكمة السياسية

تفرض الأحداث من هذا النوع التمييز بين الحزم والحكمة. فالحزم يقتضي ملاحقة مرتكبي الجرائم ومحاسبتهم وفق القانون، بينما تقتضي الحكمة إدارة تداعيات الحدث بما يمنع اتساع دائرة الخوف أو انتقال آثار الجريمة إلى العلاقات بين مكونات المجتمع.

ولا تعارض بين الأمرين؛ فالدولة القوية تجمع بين فرض القانون وصون الحقوق، وبين ملاحقة المسؤولين عن الجريمة ومنع التعميم على جماعات أو فئات لمجرد انتماء ديني أو اجتماعي. فالمسؤولية الجنائية فردية، والعدالة لا تستقيم بالانتقام الجماعي أو الأحكام المسبقة، بل بالتحقيق المهني والأدلة والإجراءات القانونية.

والحزم الحقيقي لا يُقاس بحدة الخطاب، وإنما بقدرة مؤسسات الدولة على الوصول إلى الحقيقة، ومحاسبة المتورطين، وحماية المواطنين، والحفاظ في الوقت ذاته على تماسك المجتمع وثقته بالعدالة. فالإرهاب لا يستهدف ضحاياه المباشرين فقط، بل يسعى إلى إثارة الشكوك بين المواطنين، وإضعاف الثقة بالمؤسسات، وتحويل الاختلافات الطبيعية إلى خطوط انقسام. ولذلك فإن إفشال أهدافه يتطلب مواجهة الجريمة ومنع آثارها من التسلل إلى الوعي الجمعي والعلاقات الاجتماعية.

الأثر المجتمعي والتضامن الوطني

تترك الأحداث العنيفة آثارًا تتجاوز الخسائر المباشرة؛ فقد تولّد الحزن والقلق وانعدام الأمان، وتفتح المجال أمام الشائعات والتفسيرات المتسرعة وخطابات التحريض. وفي المقابل، يمكن للمواقف الوطنية الواعية أن تحد من هذه الآثار عبر تعزيز التضامن مع الضحايا، وتقديم الدعم لأسرهم، وإسناد المصابين، والتأكيد أن المجتمع يقف صفًا واحدًا في مواجهة العنف والتطرف.

وقد برزت عقب حادثة حمود مظاهر من التضامن الرسمي والشعبي، تمثلت في المشاركة في العزاء ورفض الاعتداء والتأكيد على وحدة الأردنيين. غير أن التضامن الحقيقي لا ينتهي بانتهاء مراسم العزاء، بل يستمر في متابعة احتياجات الأسر المتضررة، وتقديم المساندة النفسية والاجتماعية، وتعزيز التواصل بين أبناء المجتمع، وترسيخ ثقافة ترفض الاعتداء على الإنسان بسبب معتقده أو هويته.

كما ينبغي إدراك أن الخوف بعد الأحداث الصادمة شعور مفهوم، وأن استعادة الطمأنينة تحتاج إلى الوقت والتواصل المسؤول والثقة بالمؤسسات. ولهذا يجب تجنب الشائعات والصور والمعلومات غير الموثوقة التي قد تزيد الألم أو تعرقل الإجراءات الرسمية.

الإرهاب والتطرف... معالجة الجذور

لا ينبغي أن يقتصر التعامل مع حادثة حمود على نتائجها الأمنية المباشرة، بل يتطلب قراءة أوسع للعلاقة بين الفكر المتطرف والسلوك الإرهابي، وللظروف التي تسمح للأفكار الإقصائية والتكفيرية بالتحول إلى عنف.

فالإرهاب جريمة تستوجب الملاحقة والمحاسبة، أما الوقاية المستدامة فتتطلب، إلى جانب إنفاذ القانون، فهم المسارات الفكرية والاجتماعية والنفسية التي قد تهيئ بعض الأفراد لتبني العنف. ولا يعني ذلك تبرير الجريمة، بل حماية المجتمع مستقبلًا من خلال معالجة أسباب الخطر بقدر معالجة نتائجه.

وهنا تبرز مسؤولية الأسرة والمؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية ومؤسسات المجتمع المدني. فالمدرسة والجامعة مطالبتان بتعزيز التفكير النقدي واحترام الاختلاف، والمؤسسات الدينية بتوضيح خطورة التكفير والتحريض، والإعلام بنقل المعلومات بمهنية، فيما ينبغي للأسرة والمجتمع توفير بيئة تحمي الشباب من الاستقطاب والخطابات التي تنزع عن الآخرين إنسانيتهم.

إن الوقاية من التطرف مهمة وطنية مشتركة، تحتاج إلى التعليم والحوار والثقة والانتماء، وإلى برامج مستدامة تستند إلى فهم علمي للعوامل التي تزيد قابلية الأفراد للتأثر بخطابات العنف، من دون تحميل المجتمع أو فئة بعينها مسؤولية جريمة ارتكبها أفراد.

سيادة القانون واستعادة الثقة

تمثل سيادة القانون الضمانة التي تحمي المجتمع من ردود الفعل غير المحسوبة، وتؤكد أن الحقوق تُصان بمؤسسات عادلة وقادرة على تطبيق القانون على الجميع. فعندما يطمئن المواطن إلى أن الجريمة ستُحقق، وأن المسؤول عنها سيُحاسب، وأن حقوق المتضررين مصونة، تتعزز ثقته بالدولة وتتراجع الحاجة إلى الشائعات والانفعالات.

كما أن الالتزام بالمعلومات الرسمية، واحترام مجريات التحقيق، والامتناع عن نشر ما يضر بخصوصية الضحايا أو يثير الفتنة، مسؤولية مشتركة بين الإعلام والمواطنين. فحرية التعبير تكتسب قيمتها حين تمارس بوعي واحترام للحقيقة وحقوق الآخرين.

واستعادة الثقة بعد الأزمات عملية مستمرة تبدأ بالاستجابة الفاعلة، وتتطلب الشفافية ضمن حدود القانون، ثم تستكمل بتقييم الأداء واستخلاص الدروس وتعزيز الجاهزية. فالدولة التي تتعلم من أزماتها وتطور أدواتها تكون أكثر قدرة على حماية المجتمع مستقبلًا.

الكرك... ذاكرة وطنية تتجاوز الجغرافيا

للكرك حضور راسخ في الذاكرة الوطنية الأردنية، بما تمثله من تاريخ وتضحيات ومواقف ارتبطت بالدفاع عن الوطن والاعتزاز بالهوية الأردنية. غير أن قيمة هذا الإرث لا تكمن في استحضار الماضي وحده، بل في تحويله إلى قوة أخلاقية واجتماعية تساعد المجتمع على تجاوز المحن من دون التخلي عن قيمه.

ومن حمود، تتجدد الحاجة إلى التأكيد أن الكرك، بما تضم من تنوع اجتماعي وديني وروابط إنسانية، جزء أصيل من الأردن القائم على المواطنة المشتركة والاحترام المتبادل. فأمن الوطن لا يتجزأ، وكرامة الإنسان الأردني لا ترتبط بدينه أو أصله أو منطقته، بل بكونه مواطنًا له حقوق وعليه واجبات في إطار الدستور والقانون.

والوفاء لشهداء حمود لا يقتصر على تخليد ذكراهم، بل يتجسد في حماية القيم التي استهدفها الاعتداء: الحق في الحياة، وحرية العبادة، ورفض العنف، واحترام التنوع، والتمسك بوحدة المجتمع.

من الموقف إلى الأثر المستدام

تظهر القيمة الأعمق لأي موقف قيادي في قدرته على الانتقال من لحظة الحدث إلى مسار مستدام من العمل. ولذلك ينبغي ترجمة الرسائل التي حملتها الوقفة الملكية إلى خطوات عملية تعزز قدرة المجتمع على مواجهة الأزمات، وتدعم المتضررين، وتطور منظومة الوقاية من التطرف، وترسخ الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

ويشمل ذلك استمرار مساندة أسر الشهداء والمصابين، وتعزيز برامج التوعية، وتطوير آليات الرصد المبكر ضمن الأطر القانونية، ورفع كفاءة التواصل الرسمي أثناء الأزمات، وترسيخ خطاب ديني وإعلامي وتربوي يؤكد حرمة الدم الإنساني وخطورة التحريض والكراهية.

كما يتطلب الأمر توسيع الحوار المجتمعي، وإشراك الشباب في المبادرات الوطنية، وتعزيز التعاون بين المؤسسات الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني. فالمجتمع الذي يمتلك قنوات للحوار والتعبير المسؤول يكون أكثر قدرة على احتواء التوترات وأقل عرضة للاستقطاب والشائعات.

إن الأمن المستدام لا يقوم على الإجراءات الأمنية وحدها، رغم ضرورتها، بل على منظومة متكاملة تجمع بين العدالة والوقاية والتعليم والتماسك الاجتماعي، وتمنح المواطنين شعورًا حقيقيًا بأنهم شركاء في حماية وطنهم ومستقبله.

خاتمة: حين يصبح وجع المكان مسؤولية الوطن

من حمود الكرك إلى وجدان الوطن، تتجلى حقيقة أردنية راسخة: أن الأزمات، مهما بلغت قسوتها، لا ينبغي أن تكون مدخلًا للانقسام، بل دافعًا لتعزيز التماسك وتجديد الالتزام بالقيم التي تجمع الأردنيين.

لقد أكدت الوقفة الملكية لجلالة الملك عبدالله الثاني أن القيادة في أوقات المحن ليست مجرد موقع للمسؤولية، بل حضور إنساني وسياسي يحمل رسالة تضامن وطمأنينة، ويؤكد أن أمن المواطن وكرامته ووحدة المجتمع في صميم مسؤولية الدولة.

غير أن الوفاء لهذه الرسالة يقتضي تحويل الموقف إلى ممارسة، والتضامن إلى عمل مستمر، والإدانة إلى التزام برفض التطرف والتحريض، والتمسك بوحدة الصف إلى سلوك يومي يحترم الإنسان ويحمي حقوقه.

إن قوة الأردن لا تكمن في غياب الأزمات، وإنما في قدرته على مواجهتها بحكمة مؤسساته، ووعي مجتمعه، وعدالة قانونه، وتماسك أبنائه. وحين يلتقي الحزم في مواجهة الجريمة مع الحكمة في إدارة تداعياتها، يصبح الوطن أكثر قدرة على تجاوز المحن، وتتحول لحظات الألم إلى محطات تؤكد أن وحدة الأردنيين ركيزة من ركائز أمن الدولة واستقرارها.

حفظ الله الأردن آمنًا مستقرًا، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني، ورحم شهداء الوطن، وألهم ذويهم الصبر والسلوان، ومنّ على المصابين بالشفاء، وأدام بين الأردنيين المحبة والتآخي ووحدة الصف.

مواضيع قد تعجبك