الأمية ليست دائما عجزا عن القراءة والكتابة؛ فقد يقرأ الإنسان الكتب، ويحفظ النصوص، ويستشهد بالمرويات، ثم يعجز عن إدراك مقاصدها، أو يسيء فهمها، أو يوظفها لتبرير الكراهية والعنف وإهدار كرامة الإنسان. تلك صورة أكثر خطورة من الأمية التقليدية: أمية الفكر الديني، حين يتحول الجهل إلى يقين، والتأويل إلى حقيقة مطلقة، والفتوى إلى أداة لإقصاء الآخر أو استباحة حياته.
إن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس اختلاف الناس في معتقداتهم، ولا تعدد مدارسهم الفقهية، بل تحويل الاختلاف إلى صراع، والنص الديني إلى سلاح، والسلطة الرمزية للمقدس إلى حصانة تمنع السؤال والمراجعة والنقد. فحين يتحدث الجهل باسم الدين، لا يصبح الجهل أقل خطورة؛ بل يصبح أكثر قدرة على التأثير والتعبئة والتبرير.
تتجلى أمية الفكر الديني حين تنتزع النصوص من سياقاتها التاريخية واللغوية، وتقدم اجتهادات بشرية قابلة للنقاش باعتبارها أحكاما إلهية نهائية، أو حين تروج روايات ضعيفة ومعلومات مغلوطة وكأنها حقائق ثابتة، من دون تمحيص أسانيدها، أو فحص دلالاتها، أو التحقق من مدى اتساق الاستنتاجات المبنية عليها مع الأدلة المعتبرة. وتبلغ هذه الأمية ذروتها عندما تمنح الفتاوى سلطة تتجاوز حدود الدليل والعقل والمسؤولية الأخلاقية؛ فيحرض على المختلف، ويصنف الناس وفق هوياتهم ومعتقداتهم، ويختزل الإنسان في انتمائه، وتستبدل الحجة بالتكفير، والحوار بالتخويف، والرحمة بالقسوة.
والمشكلة هنا ليست في الفقه بوصفه جهدا إنسانيا لفهم النصوص واستنباط الأحكام، ولا في التراث بوصفه سجلا واسعا لتجارب فكرية واجتهادات متباينة؛ بل في التعامل مع بعض موروثاته باعتبارها خارج التاريخ، وفوق النقد، وغير قابلة للمراجعة، حتى عندما تتعارض تطبيقاتها مع حقائق ثابتة أو تستغل لتسويغ الظلم والتمييز والعنف. فالتراث ليس كتلة واحدة متجانسة، والفقه ليس صوتا واحدا، والتاريخ الديني لم يخل من الاختلاف والاجتهاد والمناظرة. ومن ثم، فإن الوفاء للمعرفة لا يكون بتقديس كل ما ورثناه، بل بفهمه وتمحيصه والتمييز بين سياقه التاريخي وصلاحيته للتطبيق في واقعنا المعاصر.
لا ينشأ التطرف بالضرورة من الدين، ولا يمكن تفسير الإرهاب بعامل واحد أو اختزاله في التأويل الديني وحده؛ فهناك عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية ونفسية وتاريخية متشابكة. غير أن الخطاب الديني المتشدد قد يتحول إلى أداة خطيرة عندما يمنح العنف شرعية أخلاقية مزعومة، أو يصور قتل الأبرياء واجبا، أو ينزع عن المخالف إنسانيته وحقوقه. وهنا تبرز مسؤولية المؤسسات الدينية، والعلماء، والمثقفين، ووسائل الإعلام، ومؤسسات التعليم، في مواجهة كل خطاب يحرض على العنف أو يبرر الاعتداء على الأبرياء، أيا كانت الجهة التي يصدر عنها أو الهوية التي يتستر خلفها.
فلا يجوز أن تصبح القداسة درعا يحمي الفكرة من المساءلة، ولا أن تتحول الفتوى إلى وثيقة إعفاء من المسؤولية القانونية والأخلاقية. وكلما عظمت سلطة الخطاب الديني في المجتمع، ازدادت الحاجة إلى إخضاعه لمعايير الدليل، والأمانة العلمية، والمساءلة، واحترام حقوق الإنسان. إن مواجهة هذه الظاهرة لا تتحقق بتبادل الاتهامات، ولا بتخوين المتدينين، ولا بإقصاء الدين عن المجال الفكري، بل ببناء وعي قادر على التمييز بين الإيمان والتعصب، وبين التدين المسؤول والتوظيف السياسي أو الأيديولوجي للمقدس، وبين الاختلاف المشروع والتحريض على الكراهية.
إن الدعوة إلى محو أمية الفكر الديني ليست دعوة إلى محو الدين، أو الانتقاص من إيمان الناس، أو فرض قراءة واحدة على الجميع؛ إنها دعوة إلى تحرير الفهم الديني من التضليل، وإعادة الاعتبار إلى العقل بوصفه أداة للفهم والنقد والتحقق، وإلى الأخلاق بوصفها معيارا أساسيا لتقييم آثار الأفكار والممارسات. ولا يعني إعمال العقل أن يفرض الإنسان رغباته على النصوص، أو أن يستبعد كل ما لا يوافق أهواءه، بل أن يقرأ النص قراءة منهجية، ويميز بين الثابت والمختلف فيه، وبين النص وتأويله، وبين الحكم المرتبط بظروف تاريخية محددة ومحاولة تعميمه على كل زمان ومكان.
كما يقتضي ذلك الاعتراف بأن الاجتهاد البشري يظل اجتهادا بشريا، مهما بلغت مكانة صاحبه العلمية؛ فهو قابل للصواب والخطأ، وللمراجعة في ضوء الأدلة والمعرفة المتجددة. وليس في الاعتراف بذلك انتقاص من الدين، بل حماية له من أن تنسب إليه أخطاء البشر واجتهاداتهم المتنازع عليها. ومن الضروري كذلك تعزيز ثقافة السؤال، لا تخويف الناس منه؛ فالسؤال الجاد ليس نقيض الإيمان، والنقد المنهجي ليس عداء للتراث، ومراجعة الفتاوى ليست تمردا على الدين. إن المجتمعات التي تخشى السؤال تترك المجال واسعا أمام الدجالين والمتاجرين بالمقدس، بينما المجتمعات التي تحترم المعرفة تمنح الناس أدوات التمييز بين العالم والمضلل، وبين الدليل والادعاء.
ولا يمكن محو أمية الفكر الديني عبر الخطب وحدها، ولا من خلال حملات موسمية لمكافحة التطرف؛ فالمطلوب مشروع ثقافي وتعليمي طويل الأمد، يبدأ من المدرسة، ويمتد إلى الجامعة والمؤسسة الدينية والإعلام والفضاء الرقمي. ويقوم هذا المشروع على تعليم مهارات التفكير النقدي والتحقق من المعلومات، حتى لا يصبح انتشار الادعاء دليلا على صحته، ولا يتحول تكرار الفتوى إلى برهان على سلامة أساسها. كما يتطلب تدريس تاريخ الفكر والفقه باعتباره تاريخا للاجتهاد والتعدد والاختلاف، مع بيان السياقات التي نشأت فيها الآراء، وعدم الخلط بين الموروث التاريخي والحكم الديني القطعي.
ويقتضي الإصلاح تطوير الخطاب الديني ليواجه الأسئلة المعاصرة بشجاعة علمية، ويقدم إجابات تستند إلى المعرفة والمنهج، لا إلى التخويف أو التعميم أو اتهام المخالف في نيته وإيمانه. كما يستلزم ترسيخ المواطنة المتساوية، وحرية الاعتقاد، ورفض التحريض على الكراهية والعنف، بحيث لا تتحول الاختلافات الدينية أو المذهبية إلى مبرر للتمييز أو الاعتداء. ولا بد كذلك من مساءلة كل من يستخدم المنابر أو المنصات العامة لنشر معلومات مضللة أو التحريض على العنف، وفق معايير قانونية عادلة وواضحة، تحمي حرية التعبير ولا تمنح الكراهية حصانة. ومن الضروري تشجيع المؤسسات الدينية والعلمية على نشر الأبحاث المحكمة، وإتاحة مصادر المعرفة الموثوقة، وتصحيح الأخطاء علنا، بدلا من ترك المجال مفتوحا للشائعات والفتاوى المجهولة والاقتباسات المبتورة.
إن المعيار الأخلاقي لأي خطاب ديني لا ينبغي أن يختزل في قدرة أصحابه على حفظ النصوص أو رفع الشعارات، بل يجب أن يشمل أثر هذا الخطاب في حياة الناس، وموقفه من العدل، والرحمة، وحرمة الدماء، وحقوق الإنسان، وكرامة المختلف. ولا يعني ذلك أن تختزل صحة الأحكام الدينية في معيار منفرد، أو أن تحسم المسائل الفقهية المعقدة بالشعارات؛ بل يعني أن الادعاء بامتلاك الحقيقة الدينية لا يعفي صاحبه من مسؤولية النظر في الأدلة، وعواقب الأفعال، وحقوق الآخرين، والضوابط الأخلاقية والقانونية.
فلا قيمة لمعرفة لا تمنع صاحبها من ظلم الناس، ولا معنى لخطاب يرفع راية الفضيلة بينما يبرر الإذلال أو التحريض أو استباحة الأبرياء. ولا يمكن بناء مجتمع آمن ومستقر إذا ظل بعض أفراده يعتقدون أن اختلاف الآخرين معهم يسقط حقوقهم أو ينتقص من إنسانيتهم. إن مواجهة الفكر المتطرف لا تقتضي استبدال تعصب بتعصب آخر، ولا تحويل النقد إلى كراهية مضادة؛ بل تقتضي الدفاع عن مبدأ أوسع: أن الإنسان لا يفقد كرامته بسبب اختلاف عقيدته أو مذهبه أو فكره، وأن أي دعوة إلى العنف ينبغي أن تواجه بالحجة والقانون والمعرفة، لا بالتحريض المضاد.
قد تنجح المجتمعات في محو الأمية الأبجدية، وتظل عاجزة عن محو أمية أخطر: أمية الاعتقاد بأن كل موروث صحيح، وكل فتوى مقدسة، وكل مخالف عدو، وكل سؤال تهديد. ولذلك، فإن محو أمية الفكر الديني ينبغي أن يصبح جزءا من مشروع أوسع لتحرير العقل من الخرافة والتضليل، وتحرير الخطاب الديني من الاستغلال، وتحرير الإنسان من الخوف الذي يمنعه من التفكير والسؤال والمراجعة.
إن المسؤولية هنا مشتركة؛ فعلى العلماء أن يتحلوا بالأمانة العلمية، وعلى المؤسسات الدينية أن تتسع للنقد المنهجي، وعلى الحكومات أن تحارب التحريض من دون توظيف مكافحة التطرف ذريعة لتقييد الحريات، وعلى الإعلام أن يتحقق قبل أن ينشر، وعلى الأسرة والمدرسة أن تعلما الأجيال أن احترام المعتقد لا يعني تعطيل العقل، وأن احترام التراث لا يعني التسليم بكل ما ورد فيه. ولعل البداية الحقيقية تكون حين نكف عن قياس التدين بكمية ما يحفظ ويردد، ونبدأ بقياس نضج الوعي بقدرة الإنسان على الفهم، والتمييز، والعدل، واحترام الآخر.
إن محو أمية الفكر الديني ليس حربا على الإيمان، بل حرب على الجهل حين يتخفى وراءه؛ وليس دعوة إلى هدم التراث، بل إلى قراءته بعقل ناقد ومسؤول؛ وليس انتقاصا من المقدس، بل رفضا لمن يستغل قداسته ليمنح أفكاره البشرية حصانة من المساءلة. فالمجتمع الذي يريد أن يحمي أبناءه من التطرف لا يكفيه أن يطالبهم باعتناق الأفكار الصحيحة؛ بل عليه أن يمنحهم القدرة على التمييز بين الصحيح والزائف، وبين الحجة والدعاية، وبين الإيمان الذي يصون كرامة الإنسان والخطاب الذي يحول الاختلاف إلى عداوة.
وليكن معلوما لدينا أن نجاحنا لن يقاس بعدد الكتب التي نحفظها، ولا بعدد الفتاوى التي نتداولها، بل بقدرتنا على بناء إنسان يفكر بحرية، ويختلف باحترام، ويرفض الظلم، ولا يسمح لأحد بأن يتخذ من الدين مبررا لسلب الآخرين حقهم في الحياة والكرامة.
فحين يتحرر العقل من الخوف، ويتحرر الدين من التوظيف المضلل، يصبح الوعي حصنا في وجه التطرف، وتصبح كرامة الإنسان نقطة انطلاق لأي نهضة أخلاقية وحضارية حقيقية.



