*
الاثنين: 26 أكتوبر 2026
  • 26 أكتوبر 2026
  • 18:59
حتى لا ننتظر الفاجعة التالية  من إدانة التطرف إلى خطة وطنية لمواجهته
الكاتب: عبدالسلام الطراونة

هل نملك إرادة حماية المجتمع من الفكر الذي يبيح إقصاء المختلف والاعتداء عليه وهل نحن مستعدون لترجمة المحبة واحترام التنوع إلى سياسات ومناهج وممارسات يومية

بعد فاجعة حمود لا يجوز أن تنتهي مسؤوليتنا عند ملاحقة المجرمين وتقديمهم إلى العدالة ثم العودة إلى انتظار الجريمة التالية فالواجب أن نمنع تجدد الظروف التي تسمح بتحويل الاختلاف الديني إلى عداوة والعداوة إلى استباحة للدم

لكن المواجهة تحتاج أيضا إلى دقة فلا يصح اتهام المجتمع كله بالتطرف أو افتراض أن المتدين مشروع إرهابي كما لا يصح اختزال المشكلة في أفراد معزولين قبل التحقيق في مصادر تحريضهم وصلاتهم وطرق تجنيدهم

نحتاج إلى مشروع واضح يحمي الإنسان ويواجه التحريض ويحدد مسؤولية كل مؤسسة ضمن جدول زمني وموازنة معلنة ومساءلة لا تستثني أحدا

أولا

قرار سياسي ومسؤولية حكومية مباشرة

تعلن الحكومة خلال ثلاثين يوما التزاما وطنيا قابلا للتنفيذ للوقاية من التطرف العنيف وتكلف فريقا محدود العدد والصلاحيات بتنسيق عمل وزارات التربية والأوقاف والثقافة والشباب والتنمية الاجتماعية والجهات الأمنية المختصة بمشاركة خبراء مستقلين وممثلين عن المجتمع

لا نحتاج إلى مؤسسة جديدة تستهلك الوقت والمال بل إلى مسؤول معروف عن التنفيذ وخطة منشورة خلال تسعين يوما تتضمن الإجراءات والكلفة والمواعيد ومؤشرات النجاح وتعرض على مجلس النواب وتتاح للناس

ثانيا

تحديد ما نواجهه دون التباس أو تعميم

ينبغي أن تميز الخطة بين التدين والاختلاف الفكري وبين التحريض على العنف والتجنيد له وتبرير استهداف المواطنين بسبب معتقداتهم

الأفكار تناقش وتفند أما التهديد والتخطيط والاعتداء فتواجه بالتحقيق والأدلة والقضاء ولا يجوز أن تتحول مكافحة التطرف إلى عنوان لملاحقة النقد السياسي أو تصفية الحسابات الفكرية

وفي المقابل لا يجوز منح التحريض حصانة لأنه يرتدي لباسا دينيا أو لأن صاحبه يحتمي بنفوذ اجتماعي

ثالثا

مراجعة تربوية تتجاوز حذف العبارات

تبدأ وزارة التربية والمركز الوطني لتطوير المناهج مراجعة معلنة للمناهج وأدلة المعلمين وأساليب التقييم لرصد ما قد يكرس دونية المختلف أو يخلط بين الاختلاف في العقيدة والانتقاص من حقوق المواطنة

وتشمل المراجعة مختلف المواد والممارسات المدرسية فالتلميذ قد يحفظ درسا عن التسامح ثم يتعلم الإقصاء من تعليق معلم أو تنمر زميل أو تمييز في المعاملة

المطلوب تعليم التفكير النقدي والتحقق من المعلومات وإدارة الاختلاف والتمييز بين النص الديني والتفسير البشري مع تدريب المعلمين على مناقشة الأسئلة الحساسة دون تخويف أو إذلال

وهذا يتسق مع توجه اليونسكو في الوقاية من التطرف العنيف عبر التعليم والحوار واحترام الحقوق وتنمية التفكير النقدي

ويبدأ التطبيق في مدارس متنوعة خلال عام دراسي مع تقييم مستقل قبل التوسع فلا نكتفي بتغيير الكتاب ونترك طريقة التعليم على حالها

رابعا

خطاب ديني يصون الحياة وحقوق المواطنة

تتولى وزارة الأوقاف بالتعاون مع المؤسسات الدينية والعلمية إعداد برنامج مستمر لتأهيل الخطباء والوعاظ في تفنيد حجج التكفير واستباحة الدم وتوضيح حرمة الاعتداء وحقوق المختلف

وتعتمد معايير مهنية معلنة للأداء وآلية موثوقة للشكاوى والمراجعة والمساءلة مع ضمان الإنصاف وحق الرد

ولا يكفي أن تتحدث خطبة عن المحبة إذا كانت ممارسات أخرى تنتقص من مكانة مواطن بسبب دينه فالمطلوب اتساق القول والعمل وإفساح المجال لعلماء قادرين على الحوار والإقناع والإجابة عن أسئلة الشباب

خامسا

تدخل مبكر يحمي الأسرة ولا يحولها إلى جهة اتهام

تنشأ خدمة إرشاد موثوقة تستطيع الأسرة أو المدرسة اللجوء إليها عند ظهور تهديدات أو محاولات تجنيد أو تمجيد متكرر للاعتداءات

تضم هذه الخدمة مختصين اجتماعيين ونفسيين وتربويين وتعمل بضوابط واضحة للخصوصية والإحالة فلا يصبح تغير اللباس أو زيادة التدين أو طرح سؤال ديني سببا للاشتباه

المعيار هو السلوك المرتبط بخطر العنف وتخضع الحالات لتقييم مهني فردي مع إحالة التهديد الجدي إلى الجهات المختصة فالعائلة يجب أن تجد باب مساعدة قبل أن تصل إلى باب الفاجعة

سادسا

إعلام يواجه الحجة ولا يصنع شهرة للمحرض

تخصص المؤسسات الإعلامية مساحة منتظمة لمعالجة خطاب التكفير واستضافة أصوات مؤهلة وقريبة من الناس وتقديم قصص واقعية عن المواطنة المشتركة

وتعتمد قواعد تحريرية تمنع تعميم الاتهامات ونشر الشائعات وتحويل المجرمين إلى أبطال مع حماية حق الصحفي في السؤال والمساءلة

وفي الفضاء الرقمي تطور مواد تشرح أساليب الاستدراج والتلاعب وتوفر قنوات للإبلاغ عن التهديد والتجنيد دون حملات تشهير أو كشف بيانات الأشخاص ودون توسيع الرقابة على النقاش السلمي

سابعا

مراجعة السجون وبرامج ما بعد الإفراج

تخضع برامج التأهيل داخل مراكز الإصلاح لتقييم متخصص يشمل منع التجنيد وحماية النزلاء وتوفير التعليم والدعم النفسي والاجتماعي والحوار الفكري المؤهل

ويبدأ الإعداد للعودة إلى المجتمع قبل الإفراج عبر خطة فردية تشمل الأسرة والعمل والمتابعة المناسبة ضمن القانون

لا يصح اعتبار انتهاء العقوبة دليلا كافيا على زوال الخطر كما لا يصح التعامل مع كل مفرج عنه بوصفه مجرما أبديا فالتقييم المهني والاندماج المجتمعي والمساءلة العادلة يجب أن تعمل معا

ثامنا

حماية دور العبادة ورعاية الضحايا ومراجعة أي تقصير

تراجع ترتيبات حماية دور العبادة والتجمعات وآليات الاستجابة للتهديدات بالتنسيق مع القائمين عليها وبما يحفظ طبيعتها المفتوحة وطمأنينة روادها

وتعلن نتائج أي مراجعة مهنية للأداء بالقدر الذي لا يضر التحقيقات أو يكشف تفاصيل الحماية مع محاسبة أي تقصير يثبت بالأدلة

كما تخصص متابعة مستمرة للمصابين وعائلات الضحايا تشمل العلاج والدعم النفسي والاجتماعي فواجب الدولة لا ينتهي بانتهاء مراسم العزاء

تاسعا

مساحات للشباب وشراكة يومية بين المواطنين

تفتح المدارس والجامعات ومراكز الشباب أبوابا فعلية للنقاش والفنون والرياضة والعمل التطوعي والمشاركة العامة

وتبنى برامج مشتركة بين أبناء المناطق والخلفيات الدينية المختلفة حول خدمة الناس وحل مشكلات الأحياء بحيث تصبح المواطنة خبرة يعيشها الشباب

الفقر والبطالة لا يفسران التطرف وحدهما لكن توفير الفرص والإنصاف واحترام كرامة الشباب جزء من حماية المجتمع ولا يجوز مطالبة الشاب بالانتماء ثم إغلاق أبواب التعبير والعمل والمشاركة في وجهه

عاشرا

قياس النتائج ومحاسبة المسؤولين

تبدأ الخطة بقياس واقع المدارس والمؤسسات والبرامج القائمة ثم تنشر الحكومة تقريرا كل ستة أشهر عما أنجز وما تعثر وأسباب التعثر

يقاس النجاح بتحسن قدرة الطلاب على الحوار وانخفاض قبول العنف والتمييز وسرعة التعامل مع التهديدات وجودة مساعدة الأسر ونتائج برامج التأهيل

أما عدد الندوات والخطب والمنشورات فليس دليلا كافيا على تغير الواقع كما أن ارتفاع عدد البلاغات قد يعكس زيادة الثقة بالإبلاغ لا زيادة التطرف ولذلك تحتاج النتائج إلى قراءة مستقلة وأمينة

إن السؤال عن إرادة الحكومة يجب أن يتحول الآن إلى سؤال عن قرارها وموازنتها وجدول تنفيذها ومن يتحمل مسؤولية التأخير

رحم الله شهداء حمود وشفى الجرحى وأعان أهلهم على هذا الوجع

الوفاء لهم يقتضي أن نقطع الطريق على تكرار الجريمة وأن نبني دولة يشعر فيها كل إنسان أن حياته وكرامته وحقه في العبادة مصونة دون منة من أحد

عندها فقط نكون قد وضعنا القطار على السكة وبدأنا مواجهة الفكر الذي يقتلنا قبل أن يجد يدا أخرى تحمل السلاح

عبدالسلام صالح الطراونة

مواضيع قد تعجبك