*
الاثنين: 26 أكتوبر 2026
  • 26 أكتوبر 2026
  • 11:03
لو لم أعرف عمري هل كانت أحلامي متأخرة
الكاتب: د. أحلام ناصر

في عيد ميلادي، توقفت طويلا عند عبارة كل عام وأنتِ بخير، فرحت بجمالها وبالمحبة التي حملتها، لكنني سألت نفسي، ماذا تغيّر فعلًا؟ بالأمس كنت أصغر بعام، وفق حساباتنا، واليوم أصبحت أكبر بعام. ولكن أنا كما أنا، وجهي في المرآة لم يختلف عن ليلة أمس ولديّ أمور تشغلني، وخطط لم أنفذها، ورغبة في أشياء كثيرة مبعثرة ربما يستغرب البعض أنني ما زلت أفكر فيها.
وهنا أقول، ماذا لو لم يكن هناك تقويم أصلًا؟ لو لم أعرف سنة ولادتي، ولم يسألني أحد عن عمري، ولم يأتِ هذا اليوم ليضيف رقمًا إلى سيرتي، هل كنت سأفكر في عدد سنوات عمري ام اتساءل كم بقي لي من  السنوات.
أحيانًا أشعر أنني عشت أكثر مما يحتمله جسدي وعقلي، وأحيانًا أتعجب من سرعة مرور كل هذا الوقت، وأنا ما زلت اشعر وانظر الى الحياة كانني في سنواتي في الجامعة وأتحمس لفكرة جديدة، وعمل جديد، وتجارب قاسية، وأضحك على موقف سخيف، وأحتاج إلى من يقول لي إن الأمور ستكون بخير، أيّ هذه المشاعر يعبّر عن عمري؟
وهنا اقول إن العلم يميّز بين العمر الزمني الذي نحسبه بمرور السنوات منذ الولادة، والعمر البيولوجي الذي يعكس حالة خلايانا وأنسجتنا وأجهزة أجسامنا، فقد يتساوى شخصان في سنوات العمر، وتختلف حالتهما البيولوجية (المعهد الوطني الامريكي للشيخوخة)، لكن ذلك يتركني أمام سؤال آخر، كيف افهم عمري واين اضعه بكل ما فيه من تعب وحيوية وتناقض؟ 
كما اننا نعرف ان حتى إحساسنا بالوقت ليس ثابتًا، فأبحاث الإدراك تربطه بالانتباه والذاكرة وطبيعة ما نمرّ به.(مراجعة علمية منشورة(، واسترحع هنا أيام من حياتي بالكاد انقضت، وفي سنوات أخر اتساءل أين ذهبت، أتذكر تفاصيل حديث قديم، وأنسى شهورًا كاملة عشتها وأنا بعمل ما تمليه علي الحياة وأؤجل امور اخرى احببتها.
ربما لهذا لم يكن سؤالي في عيد ميلادي عن عدد السنوات وحدها، بل احببت أن أعرف ماذا فعلت بي، هل أصبت أكثر هدوءًا لأنني فهمت الحياة، أم لأنني تعبت من الشرح، هل صرت أكثر تسامحًا، أم أقل استعدادًا لخوض المعارك، وهل ما أصفه بالقناعة يرضيني فعلًا، أم أنني اعتدت عليه وفقدت الامل في تغيره، ام ان فاتورة التغيير لم اعد احتملها.
ولو ألغي التقويم من حياتنا، هل كنت سأفكر في بعض أحلامي باعتبارها متأخرة، من الذي حدّد الموعد المناسب للحب، أو الدراسة، أو تغيير الطريق، أفهم أن للجسد قدرته، وللظروف حساباتها، لكنني أتساءل عن المرات التي يتراجع فيها الانسان عن قرارات ورغبات من حقيه لمجرد ان المجتمع يملي عليه قاعدة (لم يعد هذا مناسبًا لعمرك)
لن يعيد تجاهل او حذف تاريخ الميلاد ما مضى، ولن يجعل الوقت بلا نهاية، لكنه، ولكن في العقل الباطن والخيال المحدود، يتيح لنا أن نسأل عمّا نريده قبل أن نسأل إن كان يليق بما مر بنا من السينين، وهنا اقول ثانية، في عيد ميلادي، شعرت بالامتنان، وبشيء من الخوف أيضًا، هناك ما أحببته في حياتي، وهناك ما أتمنى لو عشته بطريقة أخرى، وما زال لديّ فضول لأعرف ما يمكن أن يحدث.
لعلّ ما أحتاجه هذا العام أن أتوقف عن القول،في يوم من الأيام، وأن أختار يومًا بالفعل.

مواضيع قد تعجبك