ايمن الهلال
في لحظة كان فيها الموت يودع بالدموع، وترتفع فيها الصلوات طلبًا للرحمة، دوى الرصاص في كنيسة حمود بالكرك، ليحول الجنازة إلى مشهد دموي صدم الجميع.
لم يكن في المكان سوى مشيعين جاؤوا لوداع أم وجدة وابنة عشيرة، اجتمعوا على الحزن، فإذا بيد الغدر والخسة تباغتهم، ويشق الرصاص صمت المكان، وتتحول دقائق الوداع إلى مشهد من الدم والدموع.
رصاصات استهدفت أناسًا آمنين في لحظة وداع، لكنها امتدت بوجعها إلى كل بيت أردني، ووضعت الوطن أمام جريمة حاولت أن تنال من أمنه، وتزرع الفرقة بين أبنائه.
لكن خاب مسعاهم أمام صلابة ووحدة الصف الأردني، فأبناء الوطن من شماله إلى جنوبه شركاء الأرض والموقف، والغدر لن يجد منفذًا بينهم.
الرسالة الأبلغ لم تأت من منصة خطاب ولا من بيان سياسي، بل جاءت من مستشفى الكرك الحكومي، حيث اصطف مسلمون ومسيحيون في طابور واحد للتبرع بالدم، يتقدمون لإنقاذ المصابين دون أن يسأل أحدهم عن دين الجريح أو انتمائه.
هناك تحولت وحدات الدم إلى رسالة وطنية، وأصبحت الأذرع الممدودة للجرحى أبلغ من كل الكلمات.
دم يتدفق لإنقاذ حياة، وقلوب تتسع للألم، وأيد تمتد إلى الإنسان دون تمييز.
مشهد اختصر معنى المواطنة، وأكد أن ما يجمع الأردنيين أعمق من كل محاولات التفريق، وأن روابطهم لا تنقطع أمام رصاص يستهدف أمنهم المشترك.
في ذلك الطابور لم يحتج الأردنيون إلى خطب طويلة لشرح معنى الوحدة الوطنية، فقد عبرت قطرة الدم عن الحقيقة كاملة. فالوحدة الوطنية في الأردن قيمة تتجسد في المواقف، وعهد تحفظه الجيرة، وذاكرة تصونها العائلات، ومصير مشترك يجمع أبناء الوطن مهما اختلفت طقوسهم ومعتقداتهم.
انتهى إطلاق النار، لكن صوتًا آخر بدأ يتردد في محافظات الأردن كافة، صوتًا لم تستطع الرصاصات إسكاته، ولم تستطع الدماء التي سالت أن تطفئه. إنه صوت الأردنيين وهم يؤكدون أن الرصاصة التي تستهدف كنيسة تصيب مسجدًا، وأن الدم الذي يسيل من جسد مسيحي هو جرح في جسد المسلم، وأن الوطن الذي يجمعهم أكبر من كل محاولة لتمزيقهم.
نحن أبناء عشيرة واحدة وإن تعددت كنائسنا ومساجدنا، وأبناء وطن واحد وإن اختلفت طقوس عبادتنا.
تجمعنا الأرض، وتحرسنا الجيرة، وتصوننا الأخوة، وتربطنا حكاية أردنية واحدة.
وستبقى كنيسة حمود شاهدة على فداحة الجريمة، وعلى قوة الروابط التي حاولت النيل منها، سيرمم الزجاج الذي حطمته الرصاصات، وسيعود جرس الكنيسة إلى صوته، وستبقى أبوابها مفتوحة للصلاة والرجاء، كما ستبقى أبواب المساجد والقلوب مفتوحة لكل الأردنيين.
هنا في حمود سال الدم لكن الأخوة بقيت، ارتفع صوت الرصاص لكن صوت الوحدة كان أبقى، وحاول الإرهاب أن يزرع الخوف فإذا بالأردنيين يردّون عليه بمشهد من التضامن والمحبة والوفاء للوطن.رحم الله شهداء حمود وأسكنهم فسيح جنّاته، ومنح ذويهم الصبر والسلوان، وشفى الجرحى والمصابين، وحفظ الأردن آمنًا موحدًا، عصيًّا على الفتنة والانقسام.



