*
الاحد: 25 أكتوبر 2026
  • 25 أكتوبر 2026
  • 09:11
العماد بالدم
الكاتب: عماد داود


في الأردن، يمشي الغريب في جنازة الغريب، ولا يسأل عن دينه.
تفوح القهوة المرة، ويخفض الخصوم أصواتهم، ويقف الجميع صفا واحدا.
وفي حمود بمحافظة الكرك، أطلق مسلحون النار على مشيعين عند كنيسة القديس جاورجيوس.
تسعة شهداء، بحسب الأمن العام. ونحو أربعين حالة راجعت المستشفيات، بحسب وزير الصحة.
وفي ظهر اليوم التالي دقت أجراس كنائس الكرك لأرواح الشهداء.
وفي اليوم نفسه وقف رجال أمن وأعضاء مجالس محلية ومواطنون في صف التبرع بالدم، بأكمام مرفوعة.
على كيس الدم خانة واحدة: الفصيلة!
والعماد في لغة الكنيسة ماء يولد به المرء من جديد. وفي تراثها معمودية ثانية اسمها معمودية الدم، لمن مات شاهدا قبل أن ينال الماء.
وقبل أيام من هجوم حمود، قرر مجلس الوزراء إعلان موقع المغطس محمية طبيعية على عشرة كيلومترات مربعة، استعدادا للاحتفال عام 2030 بألفي عام على معمودية السيد المسيح في نهر الأردن.
في عمان قرار يحمي ماء المعمودية. وفي الكرك دم سال عند كنيسة.
وللمغطس مع الفكر التكفيري موعد قديم.
ففي خريف 1999 أحبطت الأجهزة الأردنية مخططا استهدف كنيسة على جبل نبو، وموقعا على نهر الأردن يقول التراث إن المسيح عمد فيه.
وفي تشرين الأول 2002 اغتيل موظف أمريكي أمام بيته في عمان، وأدانت المحكمة المتآمرين المرتبطين بالقاعدة.
وفي تشرين الثاني 2005 قتل 60 إنسانا في ثلاثة فنادق بعمان.
وفي أيلول 2016 قتل رجل الكاتب ناهض حتر على درج قصر العدل بعمان، بسبب رسم ساخر من داعش شاركه على صفحته.
وفي كانون الأول 2016 ضرب مسلحون الكرك نفسها، وأعلن داعش مسؤوليته.
وفي قضية حتر صدر حظر على النشر، ثم أعلن الحكم والتنفيذ على الملأ.
وأعدم قاتل حتر فجر الرابع من آذار 2017. وقال قريب للضحية يومها إن القاتل نال عقابه، وإن من حرض بخطاب الكراهية لم ينله.
وفي آب 2018 انفجرت قنبلة تحت سيارة شرطة تحرس مهرجانا في الفحيص، البلدة ذات الأغلبية المسيحية.
تبدلت الأسماء، من القاعدة إلى داعش إلى مجموعات دون ارتباط تنظيمي. وبقيت الفكرة واحدة: إنسان يكفر جاره ثم يرفع عليه سلاحه.
وأما حمود فأمرها للتحقيق. وأما الفكرة فأمرنا.
والفكرة تعيش بعد حبل المشنقة. وتحاصر بثلاث لغات: الحزم، والشرح، والرعاية.
فالحزم للدولة. وقد قال الملك إن أمن الأردنيين خط أحمر، ووجه إلى تقييم أمني شامل، وإلى مراجعة سياسات مكافحة الفكر المتطرف وتجفيف منابعه.
وأما الشرح، فنشرة كل يوم من ثلاثة أسطر: ما نعرفه، وما لا نعرفه، ومتى نعرف. بلا دليل وبلا اسم، وفيها موعد. وقد دعا الملك إلى إطلاع المواطنين على مستجدات التحقيق أولا بأول.
وبين اليوم واللاحق مساحة تملؤها الشائعة. ففي ساعات الهجوم الأولى راج خبر عن إطلاق نار ثان في مأدبا، ونفته مصادر أمنية.
الرصاصة تقتل من تصيب. والشائعة تقتل من لم يكن هناك.
وجار وقف عند الكنيسة قد يعود إلى بيته فيجد جاره يشك فيه بسبب رسالة بلا اسم.
ويقول قائل: كيف نطلب الشرح والتحقيق محظور نشره؟ والجواب في توضيح نائب عام عمان: الحظر يشمل إجراءات التحقيق والأدلة، ولا يشمل إدانة الجريمة ولا النقاش العام.
وأما الرعاية، فملف لكل مصاب ولكل أسرة شهيد: اسم من يتواصل معها، وموعد المتابعة، وما أنجز وما بقي.
وبين الشهداء أطباء وأكاديميون ومهنيون، بحسب خبرني. وبيت فقد معيله يحتاج بعد الدم إلى راتب ومنحة دراسة وباب يطرقه أحد.
وقدرت تقارير إعلامية عدد الحاضرين في الجنازة بنحو مئتين. ولكل واحد منهم ما رآه، وإن خرج سالما. فتمتد الرعاية النفسية إلى الحاضرين كلهم.
وفي الأربعين، وهو موعد يعرفه المسلمون والمسيحيون في بلاد الشام، تنشر الحكومة صفحة دون أسماء: كم أسرة لها مسؤول باسمه، وكم مصابا تلقى رعاية نفسية، وما بقي دون رد.
وفي ظهر الأربعين يدق الجرس ويرتفع الأذان، ثم تأتي دقيقة صمت.
وبعد انتهاء التحقيق، ورقة من ثلاث صفحات بلغة بسيطة، دون أسرار ولا أدلة: ماذا تعلمنا؟ وماذا أصلحنا؟ ومن يتابع؟
وفي نيوزيلندا، بعد هجوم المسجدين، وصل تقرير اللجنة الملكية إلى أسر الضحايا قبل الصحافة، وفيه 44 توصية، ثم أعلنت الحكومة حالة تنفيذ كل واحدة.
فالتقييم الذي لا يعرف الناس نتيجته كأنه لم يكن.
وحول الكنيسة طوق أمني. وسيأتي يوم يرفع فيه الطوق وتفتح الأبواب لقداس أول.
وبعد أربع سنوات يأتي العالم إلى ضفة النهر. وأجمل ما تريه المملكة لضيوفها قداس في كنيسة حمود، وجيرانها على بابها.
وللجرحى جرح لا تراه الأشعة. وجرحهم أطول من الحداد.
في الأردن، يمشي الغريب في جنازة الغريب، ثم يعطيه دمه، ولا يسأل عن دينه

مواضيع قد تعجبك