ما أقسى أن يذهب الإنسان ليودّع ميتاً، فيصبح هو نفسه بحاجة إلى من يودّعه! وما أبشع أن تتحوّل لحظة وداع، كان يفترض أن يلفّها الصمت والسكينة، إلى مسرح للدم والترويع.
في كنيسة بالكرك، كان الناس يجتمعون لتشييع جنازة، يحملون حزنهم ويبحثون عن الطمأنينة في مكانٍ اعتادوا أن يجدوا فيه الأمان. لم يكن في حساباتهم أن يُنتهك هذا المقدّس على هذا النحو الوحشي. أيُّ فكرٍ هذا الذي يرى في الموت فرصةً للقتل؟ وأيُّ انحدارٍ أخلاقي يجعل حرمة الموتى، ودموع ذويهم، وقدسية المكان، عاجزةً عن إيقاظ ذرة من الرحمة؟!
أنا ابنة الكرك، ولهذا لا أقرأ ما حدث بوصفه خبراً عابراً في النشرات. أقرأه بوجع مدينة لم يبنِ أهلها علاقتهم على اختلاف الأديان، بل على خبز الجيرة، وحقوق العِشرة، والوقوف معاً حين تضيق الحياة. في الكرك، لا يحتاج الناس إلى مناسبة كي يتذكروا أنهم أهل ،فلطالما كانت أفراحنا وأحزاننا مساحة واحدة نتقاسمها خلف المآذن وأجراس الكنائس.
لهذا يوجعنا ما حدث مرتين: مرةً على الضحايا الأبرياء وأسرهم، ومرةً على ذلك الأمان البديهي للإنسان وهو يصلّي، أو يشيّع فقيده، أو يقف إلى جانب جاره في لحظة الفقد.
إن أخطر ما في التطرف ليس الرصاصة، بل الفكرة التي تسبقها؛ حين يُقنع القاتل نفسه بأن الآخر أقل استحقاقاً للحياة. هنا لا نكون أمام جريمة بحق أفراد فحسب، بل أمام اعتداء صارخ على معنى الإنسانية، وعلى حق المجتمع كله في أن يعيش متآخياً بلا خوف.
لكن هؤلاء المجرمين لا يملكون تعريف الكرك، ولا يختصرون تاريخها، ولا يحق لهم أن يفرضوا على أهلها صورةً تناقض ما عاشوه معاً. فالكرك التي نعرفها لا تُقاس برصاص الغدر، بل بقدرة أهلها على حماية روابطهم من الكراهية، والالتفاف حول مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية لإنفاذ القانون ومحاسبة الجناة دون مساومة.
في الكرك، ليس وجع الكنيسة وجع المسيحيين وحدهم؛ إنه وجع كل من يؤمن أن بيت العبادة حرمة، وأن الجار أهل.
حين يصبح الحزن هدفاً للرصاص، لا تكفي الإدانة، بل تصبح العدالة واجباً وطنياً صلباً.
رحم الله الشهداء، وربط على قلوب ذويهم، وشافى المصابين، وحمى الكرك والأردن من كل شر.



