في مساء اليوم، طالع الأردنيون عبر شاشاتهم خبراً ليس بالمألوف لديهم إثر الاعتداء الآثم الذي استهدف كنيسة الروم الأرثوذكس في قرية حمود بلواء القصر بمحافظة الكرك الأبية، أثناء تشييع المرحومة السيدة مثال هلسة أم ليث. إن هذا الاعتداء ليس مجرد حادث إجرامي عابر بل هو عمل دخيل وطعنة غدر تمثل قمة الخسة والجبن عبر انتهاك حرمة دور العبادة والاعتداء على مصلين مسالمين مجردين من السلاح. إن من قام بهذا العمل الإرهابي إنما استباح الدم الأردني واعتدى على مدنيين عُزّل ونفذ جريمتَهُ دون رحمة ولا رأفة، في سلوكٍ بعيد كل البعد عن الإنسانية ولا يمت للدين بصلة. إن القارئ للمشهد سرعان ما يدرك أنها محاولة مكشوفة للنيل من الأردن وأمنه واستقراره، عبر استهداف المقدسات بدلالات زمانية ومكانية خبيثة لضرب النموذج الأردني في عمق التعايش والتآخي، ففي الأردن تحديداً، يمثّل المسيحيون والمسلمون أهلاً وإخوة تجمعهم العروبة والتاريخ والمصير الواحد.
ولأن جلالة الملك حريصٌ على الوطن وسلامة أبنائه، فقد جاء الموقف الحاسم والتوجيه الملكي الصريح حيث غرّد جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين حفظه الله قائلًا: "سنواجه العمل الإرهابي الذي استهدف الكرك بأشد العقوبات. ومن توهم بأن رصاص الغدر يشق صف الأردنيين خاب مسعاه أمام صلابتنا ووحدتنا، جميع الأردنيين من شمال الوطن لجنوبه شركاء الأرض والموقف ولن ينفذ بينهما غدر. أحر التعازي لذوي الشهداء وأمنياتنا بالشفاء للمصابين. دم الأردني غالي وسنضرب بيد من حديد من تطاول على هذا البلد". وفي السياق ذاته، أكد سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني بأنه: "سيبقى الأردنيون صفاً واحداً في وجه كل من يحاول المساس بأمن الوطن واستقراره" ليعكس هذا الموقف الهاشمي الصلب الرؤية الثابتة في حماية السلم المجتمعي والدفاع عن ثوابت المملكة.
ولقد تجسدت هذه الوحدة الوطنية سريعاً، إذ سارع جلالة الملك عبدالله الثاني شخصياً إلى محافظة الكرك لزيارة المصابين والاطمئنان على سلامتهم وتعزية ذوي الشهداء. إن هذا الموقف الذي سطره جلالة الملك تجسيدٌ للشيم والشهامة الأردنية التي تتجلى في أبهى صورها، حيث أنَّ القائد والقدوة والمثال هو أخٌ وصديقٌ وقريب لكل أردني على تراب هذا الوطن. وعلى النهج ذاته، هبّت عشائر الكرك وأبناء الشعب الأردني الواحد، مسيحيين ومسلمين متوجهين إلى المصابين للوقوف إلى جانبهم والتبرع بالدم ولمواساة ذوي الشهداء، في مشاهد تُدمع لها العين فخراً وتدين هذا العمل الإرهابي الجبان. فهذه هي اللحمة الحقيقية والرد العملي العفوي الذي يثبت أن الوطن عصيٌّ ومنيع، ولم ولن يكون بيئة حاضنة لهذه الجماعات الضالة، بل يجعل الأردنيين جميعاً أكثر سعياً وعزماً على نبذ العنف والتطرف ومكافحة الإرهاب بكل أشكاله، متمسكين بالوسطية والاعتدال اللذين جسدتهما رسالة عمان.
إن الشعب الأردني المترسخ بوعيه وحكمته لن ينجرّ خلف أي إساءة أو فتنة مدركاً أهمية الاستقرار والسلم المجتمعي، فالأردنيون الذين تجذرت فيهم قيم الكرم والمروءة والعيش المشترك يستعدون بثقة وأمل لفتح أبواب وطنهم أمام العالم في موقع المغطس المقدس بحلول عام 2030، حين يتحضر العالم أجمع للاحتفال بمرور ألفي عام على معمودية السيد المسيح، ليوجه الأردن من هذه الأرض المباركة أرض المعمودية، رسالة تآخٍ وسلام خالدة تؤكد للعالم أن الأردن سيظل نموذجاً راسخة جذورُه في المحبة والتعايش والعيش المشترك.
لقد حاول الإرهاب عبثاً اختراق جدار الوطن في محطات سابقة كتفجيرات عمان وأحداث قلعة الكرك، وكان يرتد خائباً على صخرة الوعي الأردني. واليوم نؤكد أن المسيحيين الأردنيين آمنون في أرجاء هذا الوطن، وهم مكون رئيسي وأصيل في المجتمع، جذورهم راسخة في هذه الأرض وثقافتهم العروبية الحضارية متداخلة في أبعادها الإنسانية مع الحضارة الإسلامية في سياق نسيج مجتمعي أردني واحد.
وعليه، فإننا نقف بقلوبٍ مُصلية لنقدم أحر التعازي وأصدق المشاعر لأهلنا في قرية حمود بلواء القصر بمحافظة الكرك ولكل أردني، بارتقاء 7 شهداء وإصابة 27 آخرين أودت بهم يد الإرهاب الغادرة المارقة. وإننا إذ نطلب من الله ونرفع أيدينا ضارعين أن يرتب نفوس الشهداء في مصاف الأبرار والقديسين، وأن يمد ذويهم بالصبر والقوة لتجاوز هذه المحنة الأليمة، وأن يتماثل المصابون للشفاء العاجل. إن الذين غادرونا إلى الملكوت السماوي وإلى ديار النور، هناك حيث لا وجع ولا حزن ولا تنهد، يُعدون اليوم شهداء الإيمان والعقيدة المسيحية، وشهداء الوطن الأوفياء، فخسارتهم خسارةٌ لكل بيتٍ أردني يتشارك فيه المسلم والمسيحي الخبز والأمل، لتبقى هذه الدماء الزكية طُهراً يُعزّز الانتماء ويخضب تراب الوطن الأردني ليكون هذا الدم شاهدا حياً حقيقياً على ما قاله الشريف الحسين بن علي طيب الله ثراه: "إن العرب عربٌ قبل أن يكونوا مسيحيين أو مسلمين".
وإننا نصلي أن يبقى الأردن بوحدته وسيادة قانونه منيعاً عن يد الإرهاب الغادرة، ولا بد وأن تطال يد العدالة كل من تسول له نفسه ارتكاب مثل هذه الأفعال المشينة؛ فالأجهزة الأمنية الأردنية، العين الساهرة، ليست بغافلة عن كل من اقترف أو خطط لهذه الجريمة النكراء، وسينال الجناة جزاءهم العادل عاجلاً أم آجلاً، ليبقى هذا الوطن عصياً على الفتنة وسداً منيعاً تحطم على صخرته أحلام الظلاميين. حمى الله الأردن العظيم عصيّاً ومستعصياً على كل سوء، في ظل حضرة صاحب الجلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين المعظم.



