خبرني - العمود في حارته مطفأ منذ شهور.
دولة الرئيس، تخيل رجلا في الستين يقف أمام مبنى البلدية، في يده ورقة شكوى، وفي الهواء رائحة قهوة من كشك قريب.
على الجدار ملصق ملون: «التحديث السياسي.. صوتك يصنع الفرق».
يسأل الرجل: «من أسأل؟» فيجيبه الموظف: «راجعنا الأسبوع القادم».
الملصق يخاطب العين. والرجل يريد شيئا تمسكه يده.
أقر مجلس وزرائك في عامين 1,083 قرارا.
وصنف مركز «راصد»، في تقريره الصادر في الرابع من تشرين الأول، اثنين في المئة منها للتحديث السياسي.
لو كانت أعمدة إنارة في شارع واحد، لأضاء من كل مئة منها عمودان للتحديث السياسي!
ولحكومتك أقوى حجة. هذا المسار يسكن القوانين والبرلمان والأحزاب، وقرارات الوزراء ضيف فيه. وصحيح أن الرقم يعد القرارات ولا يقيس الأثر.
فلنقس الأثر على جولة واحدة من جولاتك.
في التاسع عشر من تشرين الأول وقفت في مدرسة المكفوفين في ماركا، وأوعزت بحافلات جديدة بدل الأربع، وبأجهزة حديثة، وبطبيب لعيادتها. جولة تستحق التقدير: رجل يقف بين المكفوفين ليسمع ما ينقصهم.
وفي المدرسة مئة معلم كفيف من بين 140 معلما وإداريا. أصابع تقرأ تدير المكان الذي أوعزت له بالحافلات.
وللمدرسة ذاكرة. ففي مطلع تشرين الأول عام 2007 أمر الملك بصيانة عاجلة لها، وبخمس حافلات جديدة، وبمقر نموذجي.
بين التوجيهين تسعة عشر عاما!
ولم يصل إلى القارئ ما جرى بينهما.
وفي المدرسة نفسها تطبع الحروف نافرة. وبريل نظام نتوءات: ست نقاط تكفي لكل حرف.
والتوجيه سطح أملس. لا اسم فيه يمسك به، ولا يوم تقف عنده.
أوعز، ووجه، ورفد: أفعال بلا نتوء.
والأصابع القارئة لا تقرأ إلا ما يبرز.
وللوقت قرار أيضا: ساعة وزارية كل أسبوع على جدول المجلس للتحديث، تنشر عناوين مداولاتها. فإن كان نصيبه من القرارات اثنين في المئة، فليكن نصيبه من الوقت أكبر.
وفي «الأمير الصغير» كوكب لا يتسع إلا لرجل وعمود إنارة. يشعل صاحبه المصباح مساء ويطفئه صباحا، لأن أمرا قديما قال له ذلك.
ثم يتسارع الكوكب حتى يدور كل دقيقة، ويبقى الأمر كما كان.
الأمر لم يتغير، والكوكب تسارع. وفي كل بلدية موظف يدور مع الكوكب نفسه: «راجعنا الأسبوع القادم».
وللحارة أن تسأل ماذا تغير بعد قانون الإدارة المحلية الذي أقره النواب في التاسع عشر من آب.
ينتخب أهل الحارة مجلس بلديتهم، وللمجلس أن يختار مدير البلدية، ولا يحل مجلس الوزراء المجلس البلدي بلا ضوابط. وهذا يسجل للقانون.
أما المحافظات، ففيها اثنا عشر مجلسا كان أهلها ينتخبون أغلب مقاعدها منذ عام 2017. وصارت مجالس تسمي البلديات والغرف والنقابات ممثليها فيها.
فبعض من يمس حياة الرجل ينتخبه، وبعضهم يسمى له. وجواب «من أسأل؟» يختلف بحسب الباب.
ويقول رئيس سابق لمجلس النواب، بحسب صحيفة عربية، إن البرلمان ما زال ديكورا. وللحكومة أن ترد عليه بأرقام.
ويقول آخرون إن الاستقرار أولا، والمنطقة مشتعلة. والاستقرار عمود حقيقي.
وفي استطلاع الدراسات الاستراتيجية، يعزو نحو نصف من يرون الاتجاه صحيحا ذلك إلى الأمن والاستقرار، ويعزوه خمسهم تقريبا إلى الإصلاح.
والشارع الذي يضاء بعمود واحد يبقى نصفه معتما.
وفي الأسبوعين الماضيين أحسنت حكومتك خطوة: جلست مع حزب الميثاق، ثم أمس مع حزب مبادرة، في سلسلة لقاءات جديدة مع الأحزاب.
واللقاء يصير أثرا حين يخرج منه ثلاثة التزامات، ويبدأ اللقاء التالي بقراءتها بصوت مسموع.
وللأحزاب نصيبها من النتوء. يقول مراقبون إن بعضها شغلته الأعراس والأيام الطبية المجانية وتكريم الناجحين. وهذه أعمال خير، لكنها أعمال جمعية.
فلينزع الحزب اسمه من قائمة نشاطه، فإن بقيت القائمة تصلح لجمعية خيرية فقد ضل الطريق.
ثلاث نقاط تكفي لكل توجيه. اسم. وموعد. وحالة.
بطاقة واحدة لكل توجيه، تطبع بعد كل جولة. وأول بطاقة في ماركا نفسها، بحروف نافرة، يقرؤها طالب بإصبعه قبل أن يقرأها وزير.
ثم تنتقل البطاقة من المدرسة إلى الحارة: لوحة صغيرة على ساق كل عمود، فيها رقمه، واسم المسؤول عنه، وتاريخ آخر صيانة.
والتعيين الذي يحل محل الانتخاب يصير إصلاحا إذا عرف موعد نهايته: تاريخ مكتوب على باب المجلس المسمى، يسلم فيه مفاتيحه لمجلس منتخب.
فالتعيين الذي لا يعرف موعد نهايته يصير إقامة.
وكل نص يعدل بندا من وثيقة التحديث، أو يؤجله، يحمل فقرة واحدة تجيب: ما العيب الذي نصلحه؟ والتراجع المعلن بسببه أصدق من التراجع الصامت.
وليست الفكرة غريبة عن العالم. ففي بريطانيا موقع اسمه «فيكس ماي ستريت» منذ عام 2007، يحدد المواطن فيه موقع العمود المعطل، فيصل البلاغ إلى الجهة المسؤولة عنه.
وللقارئ ما يفعله: يصور العمود المطفأ بتاريخه، ويسأل بلديته عن اسم المسؤول عنه، وينشر الصورة بوسم #عمودان_من_مئة.
أمام البلدية رجل في الستين ما زال يمسك ورقة الشكوى. وعمود الإنارة ما زال مطفأ.
والملصق على الجدار لن يقرأه الرجل قبل أن يضيء العمود!
[email protected]
https://emad-dawoud.netlify.app/



