*
الخميس: 15 أكتوبر 2026
  • 15 أكتوبر 2026
  • 17:39
نمجد صبرها وننسى توقيعها
الكاتب: عماد داود

قبل أن يصحو الميكروفون في القاعة الكبرى، تكون قد وصلت إلى العين ورجعت، والندى ما زال على الحجارة.

في يدها جرة، وعلى كتفها شال، وفي رأسها قائمة بما يخص هذا النهار: الخبز والحقل والأولاد والعنزة التي ولدت أمس، وفي ثيابها رائحة دخان الطابون.

في أغنية توفيق النمري، الذي رحل عام 2011، تمشي ريفية أردنية إلى العين، فيهيم بها الشاعر ويمدح تمايلها وعينيها وخدها.

غنى الشاعر لتمايلها، ولم يسأل كم تزن جرتها!

وللأغنية قلم كحل رسم العينين والخد، وللسجل قلم حبر يكتب الاسم على الصك والعقد والكشف. والريفية حاضرة بالكحل، غائبة عن الحبر.

وللقلمين مقال سابق بعنوان «بين قلمين: الكحل أم الحبر!»، وفيه أن أخطر التدجين ما يلبس ثوب التمكين. وللريفية ثوب آخر يلبس لها: ثوب التكريم.

يمدح صبرها في كل مناسبة، حتى صار الصبر وظيفتها الثانية، بلا راتب ولا ضمان.

والمديح الذي يحل محل الأجر تدجين بأناقة!

وفي الخامس عشر من تشرين الأول يحتفل العالم باليوم الدولي للمرأة الريفية، وتسمي الأمم المتحدة عام 2026 عام المرأة المزارعة.

فتدور الطاحونة. تصدر البيانات، وتنعقد الورش، وتتسع الشاشات لعبارات كبيرة عن التمكين!

وللجعجعة صوت جميل، ويعرف أهل الطاحونة أنه يكشف الدوران وحده، وأن الطحين شأن آخر.

فأين الطحين؟!

تشكل النساء 5 في المئة فقط من حائزي الأراضي الزراعية في الأردن، بحسب تعداد 2007 الزراعي الذي أوردته ورقة أردنية قدمت إلى الأمم المتحدة. رقم قديم، لكنه يكفي ليفتح السؤال.

وأعلنت وزارة العمل أن عدد العاملين والعاملات في الزراعة المشمولين بالضمان الاجتماعي بلغ 18,761 في نهاية كانون الثاني 2025، بعد 5,988 في نهاية 2020. ولم يذكر الإعلان كم امرأة بينهم!

وبلغت مشاركة الأردنيات في سوق العمل 14.4 في المئة في الربع الثالث من 2025، وهذا رقم البلد كله، والريف يختبئ فيه بلا اسم.

وفي القرية ينتهي النهار كما بدأ: وأنت تقرأ على المستطيل المضيء، تفرز امرأة الزيتون على ضوء مصباح، وفي خطابات كثيرة ورد اسمها اليوم من غير أن تسمع به.

وفي رواية «الأرض الطيبة» تلد الفلاحة وحدها وتعود إلى الحقل قبل أن يبرد الفراش، وبيديها تقوم ثروة الزوج.

وحين تكتمل الثروة يأتي بسواها إلى البيت!

كتبت الرواية عن قرية في الصين، وكل قرية تعرف صاحبتها.

ويحن كثيرون إلى زمن «النسوان»، حين كانت المرأة تدير البيت وتعالج أبناءها بلا ضجيج، ويحمدون الله أنهم ولدوا فيه.

والريفية هي ذلك الزمن نفسه، حيا يمشي إلى العين كل صباح، ولا يزال يعمل بلا عقد.

ويسأل آخرون: أتخدم وزارة لشؤون المرأة النساء أم المنظمات؟

وللسؤال وجاهته، فالتمكين الذي يقاس بعدد المؤتمرات لا يصل إلى القرية، وللحنين دفؤه، فالبيت الذي تحفظه امرأة بيديها حقيقة.

غير أن حنين الجيل وضجيج المؤتمر يتفقان على شيء واحد: كلاهما يترك اسمها خارج الصك!

والإنصاف يقتضي ذكر من يصعد الطريق الوعر إلى القرى من نساء ومنظمات، منذ سنين وبلا كاميرا.

وتزور الملكة جمعيات ومشاريع نسائية في عمان وجرش وغيرهما، فتتفقد ورش الخياطة والمخللات والمربيات والمطبخ الريفي القائم على الزيت والزعتر والسماق، وتلتقي صاحبات المشاريع.

زيارة كهذه تمنح المشروع ضوءا، والضوء يسبق الحبر دائما.

ويبقى بعد انطفاء الضوء سؤال المتابعة: كم مشروعا استمر، وكم امرأة صار لها دخل مستقل، وكم منتجا وجد سوقا ثابتا؟

وليعد الضوء إلى المكان نفسه بعد عام، بزيارة ثانية تعلن ما تغير.

والريفية صاحبة علم بالمواسم يسبق نشرة الأرصاد، وشريكة في الأمن الغذائي. اختزالها في صورة الضحية يظلمها، والاكتفاء بتمجيد صبرها يترك كلفة هذا الصبر على كتفيها.

من يملك الأرض، ومن يقترض بضمانها، ومن يقرر السعر يوم الموسم؟ ثلاثة أسئلة تحدد نصيبها من الاقتصاد أكثر مما تحدده كل الصور الاحتفالية.

منذ نحو قرن قيل إن المرأة تحتاج مالا وغرفة تخصها لتكتب، والريفية تحتاج حقلا يخصها لتقرر.

يكفي ثلاثة أشياء. حقل باسمها. وسوق على طريقها. وعمل يحسب في الأرقام.

حقل مسجل باسمها، أو باسم الزوجين معا، فتدخل البنك صاحبة أرض بعد أن كانت تدخله ضيفة.

وتدفع كل ورشة تمكين للريفية أجر اليوم الذي تركت فيه حقلها لتحضر، فيعرف المنظمون كم تكلف المقاعد في القاعة.

ويفتح مكتب من دائرة الأراضي أبوابه في سوق القرية يوم السوق، بقلم حبر يصل إلى امرأة لا وقت لها لمراجعة الدوائر.

وسوق على طريقها: نقطة بيع قرب القرية، أو حافلة صباح السوق، فيصل الجبن والزعتر والتين المجفف قبل أن يفسد.

وتصل إليها الإرشادات والدعم والقرض ببطاقة مزارعة تحمل اسمها وحده.

وتخصص الفنادق حصة ثابتة من مشترياتها لمنتجات التعاونيات النسائية بعقود سنوية، فيصير للمورد اسم.

وعمل يحسب في الأرقام: مسح لاستخدام الوقت يسأل كم ساعة تقضيها في الحقل والبيت، فيتحول التعب الصامت إلى رقم يقرؤه وزير.

وليذهب عشر ميزانية كل ورشة تمكين إلى تعاونية ريفية تشتري بها معصرة أو ثلاجة، فيظهر بعد موسم واحد أي الإنفاقين أطعم أكثر.

وتبث الإذاعة الأغنية في الخامس عشر من كل تشرين، ثم تقرأ بعدها أرقام العام: كم امرأة سجلت أرضا باسمها، وكم امرأة دخلت الضمان، وكم امرأة قبضت ثمن موسمها بيدها.

وينشر الضمان الاجتماعي أرقامه مفصلة حسب الجنس، فيعرف الناس كم امرأة بين الثمانية عشر ألفا.

ولينعقد المؤتمر القادم في قرية، بميكروفون أول لريفية قبل الوزير!

الأغنية رسمتها بالكحل، وبقي السجل بلا حبر باسمها.

كانت الجرة تحمل ماء، وتحمل اليوم وعودا، والوعد أثقل من الماء إذا لم يصل.

وحين ينطفئ الميكروفون، يبقى الاسم بلا توقيع، ويبقى الطحين في الطاحونة، وتمشي هي إلى العين قبل أن يصحو الميكروفون!

[email protected]

https://emad-dawoud.netlify.app/

مواضيع قد تعجبك