*
السبت: 03 أكتوبر 2026
  • 03 أكتوبر 2026
  • 20:58
حين يكون الطبيب إنسانًا قبل أن يكون جراحًا  العقيد الطبيب محمد نظمي الحنيطي نموذجًا في العلم والتواضع والإنسانية
الكاتب: د. براء يوسف الصقور

في مهنة الطب، قد ينجح الطبيب في تشخيص المرض وإجراء العملية ومتابعة العلاج، لكن هناك جانبًا آخر لا تكتبه التقارير الطبية ولا تقيسه الشهادات العلمية ، إنه الجانب الإنساني الذي يجعل المريض يشعر بأنه أمام إنسان يهتم به، وليس مجرد حالة طبية مرضية.

ومن هنا، تأتي قيمة بعض الأطباء الذين لا تقتصر رسالتهم على غرفة العمليات، بل تمتد إلى طريقة تعاملهم مع مرضاهم، وإلى قدرتهم على منحهم الطمأنينة والثقة في أكثر لحظاتهم قلقًا.

ومن النماذج التي تركت في نفسي هذا الأثر، العقيد الطبيب محمد نظمي الحنيطي، أحد مرتبات القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي / استشاري جراحة السمنة والمنظار واستشاري الجراحة العامة في الخدمات الطبية الملكية.

أكتب هذه الكلمات اليوم لا باعتبارها مجرد كلمات شكر لطبيب أجرى لي عملية، وإنما باعتبارها شهادة إنسانية على تجربة عشتها بنفسي، ولمست خلالها جانبًا من شخصية طبيب جمع بين العلم والخبرة المهنية والتواضع والأخلاق والإنسانية.

تشرفت بأن أكون أحد مرضى العقيد الطبيب محمد الحنيطي، وأن أُجري عملية جراحية على يديه ، وكما هو معروف، فإن لحظة دخول المريض إلى غرفة العمليات تحمل معها الكثير من القلق والأسئلة والمخاوف، مهما حاول الإنسان أن يبدو قويًا ومتطمئنًا.

لكن ما يخفف عن المريض كثيرًا أن يجد أمامه طبيبًا يمنحه الثقة، ويتعامل معه باهتمام، ويشعره بأنه في أيدٍ أمينة.

وهذا تحديدًا ما وجدته في الدكتور محمد.

طبيب صاحب علم وخبرة، لكنه في الوقت نفسه شديد التواضع، بسيط في تعامله، قريب من الناس، ولا تشعر أمامه بفارق المكانة أو المنصب. يتعامل مع الجميع بمستوى واحد من الاحترام، وبأخلاق رفيعة تسبق علمه ومكانته.

وقد كان الجانب الإنساني في تعامله معي هو أكثر ما بقي في ذاكرتي.

ففي اليوم الثاني من إجراء العملية، وفي حوالي الساعة السابعة صباحًا، فوجئت بوجوده في غرفتي للاطمئنان عليّ، رغم أن لديه التزامًا خارج محافظة عمان في ذلك اليوم.

كان يستطيع أن يتوجه إلى التزامه، خصوصًا أن العملية انتهت وأصبحت تحت المتابعة الطبية، لكنه اختار أن يأتي بنفسه في الصباح الباكر ليطمئن عليّ قبل أن يغادر.

قد تكون زيارة الطبيب لمريضه أمرًا طبيعيًا في نظر البعض، لكنها بالنسبة للمريض تحمل معنى مختلفًا تمامًا.

في تلك اللحظة، لم أرَ فقط الطبيب الجراح، بل رأيت الإنسان.

رأيت طبيبًا يتعامل مع مريضه بحنان واهتمام جعلني أشعر، بكل صدق، وكأنه يتعامل مع أحد أبنائه.

وهنا تكمن عظمة المهنة؛ فالعلم وحده لا يكفي، والخبرة وحدها لا تكفي، والمهارة الجراحية مهما بلغت لا تكتمل قيمتها إلا عندما يرافقها قلب يشعر بالإنسان الذي بين يديه.

إن العقيد الطبيب محمد نظمي الحنيطي يمثل بالنسبة لي صورة جميلة للطبيب الذي لم تغيره مكانته العلمية والمهنية، ولم تجعله بعيدًا عن الناس.

بل على العكس، كلما رأيت علمه وخبرته ومكانته، ازددت تقديرًا لتواضعه وبساطته.

وفي زمن أصبحت فيه العلاقات الإنسانية أكثر حاجة إلى الصدق والبساطة والاحترام، تبقى مثل هذه النماذج جديرة بأن يُسلط الضوء عليها.

ليس لأن الطبيب يحتاج إلى المديح، وإنما لأن المجتمع يحتاج إلى الاحتفاء بالنماذج المهنية والإنسانية التي تستحق التقدير.

ومن واجبي، بعد هذه التجربة، أن أقول للعقيد الطبيب محمد نظمي الحنيطي:

شكرًا لأنك كنت طبيبًا وإنسانًا في الوقت نفسه.

شكرًا على علمك وخبرتك، وشكرًا على تواضعك وأخلاقك، وشكرًا على اهتمامك الذي لم يكن بالنسبة لي مجرد إجراء طبي، بل كان مصدرًا للطمأنينة في وقت كنت بأمسّ الحاجة فيه إليها.

أسأل الله أن يبارك في علمك وعملك، وأن يحفظك ويعينك على مواصلة رسالتك، وأن يجعل كل عملية أجريتها، وكل مريض طمأنته، وكل إنسان خففت عنه خوفه وقلقه، في ميزان حسناتك.

فقد ينسى المريض تفاصيل كثيرة من رحلة علاجه، لكنه نادرًا ما ينسى الطبيب الذي جعله يشعر بأنه إنسان قبل أن يكون مريضًا.

وهذا تحديدًا هو الأثر الذي تركه في نفسي العقيد الطبيب محمد نظمي الحنيطي.

كل الاحترام والتقدير لرجلٍ جمع بين شرف المهنة، وعظمة العلم، وانضباط العسكرية، وجمال التواضع، ونبل الإنسانية.

مواضيع قد تعجبك