*
السبت: 03 أكتوبر 2026
  • 03 أكتوبر 2026
  • 11:16
سأخون وطني
الكاتب: عماد داود

سأخون وطني. وأبدأ بالجلد!

الجسد السليم يتألم حين يجرح. الألم إنذاره الأخير، ولغته الوحيدة التي يفهمها الدماغ بلا ترجمة.

ثمة أطفال يولدون بلا إحساس بالألم. يعضون ألسنتهم دون أن ينتبهوا، ويمشون على العظم المكسور، وتحترق أيديهم قبل أن يلاحظ أحد. تقول المراجع الطبية إن هؤلاء يتعرضون لإصابات أكثر، وقد تقصر أعمارهم.

ومريض الجذام يفقد أصابعه بجروح لم يشعر بها. يتلف المرض أعصاب يده، فتتكرر الإصابة يوما بعد يوم، حتى يضيع الإصبع. والدواء يوقف المرض، أما العصب الذي مات فيبقى ميتا.

وطن بلا ألم يفقد أصابعه واحدا بعد الآخر، ويسمي الصمت استقرارا!

وأقسى ما في الخدر أن صاحبه يجهل متى ضاع الإصبع. يكتشف الفراغ حين يمد يده إلى شيء كان يمسكه.

قبل أيام نشرت مقالا عن جرحي، وكتبت أنني أحب وطنا قد يجهل أنني أحبه. الحب حين يشتغل يتخذ شكل الوجع.

والجرح الذي يوجع شهادة حياة للعصب الذي يحمله!

ومن يحب بلدا يقرأ أعطابه قبل أن يقرأ بياناته.

ومع ذلك يتلقى هذا العصب اسما جاهزا: خائن. يكفيه أن يتذكر وعدا، أو يسأل عن رقم، أو يقارن الخطاب بالفاتورة.

رجل نظر إلى وجهه فرأى فيه شيخوخة لم يكن يتوقعها، فرفع المرآة وحطمها على الحائط. ظن أنه كسر الشيخوخة. كسر الزجاج فقط.

والتهمة تعمل بالطريقة نفسها: تحطم الزجاج وتترك الجرح مكانه.

الخدر لا يوجع. هذا بالضبط ما يخيفني. يمر الصباح هادئا، وتنام الغرفة مطمئنة، وفي الأسفل يحترق شيء.

في كل واحد منا عصب خدره بيده: جملة لم يقلها لمديره، وفاتورة دفعها وهو يعرف أنها خطأ، وحق تنازل عنه كي لا يتعب.

حين تجتمع هذه الأخدار الصغيرة نسميها هدوءا وطنيا.

اتبعوا آثار الإبرة. تقودكم إلى ثلاثة مواضع.

الواسطة مخدر موضعي يعطى لطرف واحد. يقف مواطن ساعات عند الباب الأمامي فيتألم، ويعبر غيره من الباب الخلفي بلا وجع.

وبعد جيل كامل يصير العبور مهارة تروى بفخر، ويتعلم الواقفون في الطابور أن المعرفة بالأشخاص تسبق الجهد.

وعلاجها دور يظهر على شاشة مفتوحة، فيرى الواقفون من تجاوزهم، ويسأل أحد عن السبب.

والمال العام يتخدر بطريقة أخرى.

يخرج من جيب رجل اقتطع منه ما تبقى، ومن مقعد امرأة تنتظر دورها في مستشفى، ومن دين طفل سيحمله على ظهره قبل أن يملك سقفا، ثم يدخل جدولا ويصير رقما.

والرقم بلا عصب.

وحصيلة هذا الشهر توجع: وصل مجموع ما على الأردن من دين عام إلى 50.121 مليار دينار حتى نهاية تموز 2026.

ونسبته إلى الناتج المحلي 110.8%، أي أكثر مما ينتجه الأردن في سنة كاملة.

والإنصاف يوجب القراءة الثانية: عند استثناء الدين المستحق لصندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي، تنخفض النسبة إلى نحو 84%.

وتستهدف الحكومة خفضها إلى نحو 80% مع نهاية 2028.

والاتجاه يتحسن: كانت النسبة 115% في أيار 2024، وهي اليوم أقل.

لكن الضمان صندوق رواتب التقاعد، والحكومة مدينة له بـ11.982 مليار دينار، نحو ثلاثة أخماس موجوداته التي بلغت 19.7 مليار دينار نهاية حزيران.

ويرى اقتصاديون أن هذا دين داخلي يسدد عند استحقاقه، وهذا يخفف الخطر ويبقي الكلفة قائمة.

وفي نقاش القراءتين مقعد قلما يجلس عليه أحد: مقعد صاحب المال.

خلف الرقم يد كيد أبي، أكل الحجر منها.

تدخر كل شهر لعمر تعجز فيه عن العمل. وحين تنظر هذه اليد إلى الجدول، تجده رقما بلا اسم.

وأقترح أن ينشر مع كل رصيد دين جدول يفصل ما ذهب إلى النفقات الجارية وما ذهب إلى المشاريع الرأسمالية، وما عاد على الناس من كل دينار اقترضناه.

والصحافة، وأنا منها، عصب كبير يخدره الخوف من جهة، والمجاملة من جهة. الأولى ترتجف قبل أن تنقل الإشارة كاملة. الثانية تنحني قبل أن تصل. والإبرة تأتي ناعمة دائما، على هيئة حرص.

وكلتاهما تترك البدن يحترق والغرفة هادئة!

علاج هذا الخدر قاعدة تقال بلسان الحرفة: كل رقم بمصدره، وكل اتهام بدليله، وكل صمت بسببه المعلن.

في الجسم السليم تعالج الإشارة البسيطة عند موضعها.

تلمس اليد سطحا ساخنا فتنسحب قبل أن يصل الإحساس إلى الوعي، لأن دارة قصيرة في النخاع الشوكي تتولى الأمر حيث وقع الخطر. الطب يسميها منعكس الانسحاب.

الأوطان تحتاج منعكساتها. شكوى عن إنارة شارع أو دور في عيادة تحل عند من يملك الحل، بمهلة معلنة، دون أن تسافر إلى أعلى الهرم لتجد من يوقع عليها.

وينشر مصيرها علنا: من تسلمها، وماذا فعل، ومتى أغلقت.

ثلاثة منعكسات تكفي لتبدأ: تفويض الحل البسيط لموظف الصف الأول بسقف مالي معلن، ومهلة محددة لكل شكوى، ونسبة استجابة تنشر لكل وزارة.

ولهذا الجسد أعصاب بدأت تعمل، والإنصاف يوجب ذكرها.

يقدم ديوان المحاسبة تقريره كل عام، ويلزم قانون الديوان مجلسي الأعيان والنواب بمناقشته في الدورة التي يقدم فيها أو التي تليها.

وبلغت نسبة استجابة الجهات لمخرجاته الرقابية في تقرير 2024:

59% بعد 48% في 2023، و21% في 2022.

وفي قطاع الإدارة المحلية، أقرب الخيوط إلى الجلد، جرى تصويب 225 ملاحظة من أصل 359 في العام نفسه.

وكانت ملاحظات هذا القطاع 970 في 2023.

المنعكس في أبسط صوره: الإصلاح قرب الجرح. إشارة تصل، واستجابة ترتفع.

الاستجابة الصاعدة تستحق التحية، والمسافة إلى المئة بالمئة تستحق الإلحاح!

ثم تأتي أخطر العلامات: أطراف الجسد نفسها تبدأ بالانسحاب. الشباب أرهف مناطقه إحساسا.

في تقرير الباروميتر العربي عن الأردن، الذي نشر في أيلول 2026، قال 53% من الأردنيين بين 18 و29 عاما إنهم يفكرون في الهجرة، مقابل 39% ممن هم أكبر سنا.

ودافع 92% من الراغبين في الهجرة اقتصادي.

وحين يغلق شاب حقيبته وفي جيبه شكوى بقيت بلا رد، فهو يرسل إشارة أخيرة قبل الرحيل.

وإذا اختار الطرف الرحيل بدل أن يرسل إشارة وجع، فالبدن أمام عطب أكبر من الحمى: فقدان الإحساس بأطرافه.

ويصل خبر الانسحاب إلى مركز القرار متأخرا، في هيئة إحصاء.

أصحاب فكرة الاستقرار يملكون نصف الحجة. المنطقة مشتعلة، والدولة التي ترتفع فيها أصوات الشكوى قد تبدو مكشوفة أمام جيرانها، والجسم المحموم يحتاج علاجا قبل أن يحتاج صراخا.

والنصف الآخر: العلاج يبدأ من المعلومة، والمعلومة تأتي من العصب.

عداد ماء معطل في شارع معروف يصلح في يوم إذا وصلت الشكوى باسم الشارع، وينقلب ضجيجا إذا وصلت بلا عنوان.

وأنصف خصم العصب أيضا: بعض من يرفض الألم المعلن خاف مرة من نقد ظالم حمله أكثر مما يحتمل، فصار يخلط بين كل نقد وذلك النقد الجائر. هذا خوف مفهوم، وسببه حقيقي.

ويفوت الفريقين معا أن الخلاف على علو الصوت يخفي نقصا في العنوان: ألم يصرخ لأنه يفتقد من يستقبله، ومسؤول يسمع ضجيجا لأن الألم لم يصله بعنوان واضح.

وللعصب شرط على نفسه: أن يدقق إشارته. ألم بلا رقم صراخ، ورقم بلا مصدر شائعة، ومن يرسل الشائعة يعطل الجهاز الذي يدعي حمايته.

وللنقد مرض يشبه المناعة الذاتية: وجع يهاجم الجسد بلا موضع وبلا غاية.

الحد الفاصل هو الجرح.

والعصب الصادق ينقل ألم إصبع الوزير بالأمانة نفسها التي ينقل بها ألم إصبع الحارس.

تخيلوا محكمة تنظر في أمر هذا العصب. التهمة: تذكر الوعد، وسأل عن الحساب، وقارن الخطاب بالفاتورة.

يسأل القاضي العصب: هل زدت ألما لم يكن هناك؟

يجيب العصب: أنقل الإشارة من حيث وصلتني، وبالشدة التي وصلتني بها.

يفتش القاضي عن مادة تجرم الذاكرة الجيدة، ويخرج من القانون كله بيد فارغة، ويرفع الجلسة بلا حكم!

ومن يقرأ الرقم دون أن يسمع الأنين خلفه، يقرأ نصف الحساب فقط.

وأعرف أن لهذا الدور ثمنا.

أعرف أن من يصر على نقل ما يوجعه سيتهم، عاجلا أو آجلا، بأنه يكره ما يحب.

سمعت هذه التهمة من قبل، وبقي الجرح في موضعه بعد كل مرة.

لذلك سأخون وطني، وسأخون معه كل من يطلب مني عصبا مخدرا.

ولن أطلب من أحد أن يشكرني على هذا. العصب الحي يعمل حتى لو بقي وحيدا في الجسد كله.

وحين يصفق الجميع لجسد جامد، ظانين أنه يرقص، افحصوا النبض.

أخشى وطنا بلا أنين!

مواضيع قد تعجبك