في قاعة الجمعية العامة، بينما كان الملك عبدالله الثاني يتحدث، كان مندوب في الصف الخلفي يمرر إصبعه على شاشة هاتفه. ثلاث نشرات، تنبيه واحد من تطبيق طقس، ورسالة من مساعده تذكّره بموعد العشاء. لم ير المندوب شيئا مما وصفه الملك في تلك اللحظة بالضبط: طفلا في مستشفى ميداني أردني بغزة، لا يتجاوز عمره أياما، يتقاسم حاضنة اصطناعية واحدة مع طفلين آخرين لأن العدد لا يكفي، في المستشفى الميداني الأردني نفسه الذي استهدفته هجمات إسرائيلية بينما كان يعالج جرحى القطاع. هذا ليس مشهدا من الخطاب. هذا واقع موثّق قبل الخطاب بأسابيع. لكن المسافة بين الاثنين، بين الشاشة الصغيرة في يد المندوب والحاضنة المزدحمة في غزة، هي المسافة نفسها التي بنى عليها الملك خطابه كله: مسافة الانتباه.
اختار الملك مدخلا نادرا لخطابه: علم النفس المعرفي لا المظلومية المعتادة. أشار إلى دراسة تقول إن متوسط مدة التركيز أمام الشاشة تراجع من دقيقتين ونصف عام 2004 إلى 47 ثانية فقط اليوم، ثم انتقل من هذه الحقيقة الصغيرة إلى استنتاج كبير قاله بنفسه بوضوح: «الانتباه ليس مجرد مورد معرفي فحسب، بل هو أيضا مورد جيوسياسي». ما يختار العالم أن ينظر إليه يقرر أي حرب تحظى بجهد دبلوماسي حقيقي، وأيها تنزلق إلى هامش النشرة، وما إذا كان وقف إطلاق النار يصمد بعد رحيل الكاميرا أم ينهار في صمت.
ثم أتى بالرقم الذي يجعل هذه الفكرة النظرية جسدا من لحم: في أول ثلاثمئة يوم مما سُمّي وقف إطلاق النار في غزة، استُشهد ما لا يقل عن ثلاثمئة طفل فلسطيني، بمعدل طفل واحد كل يوم بالضبط! رقم لم يخترعه الخطاب؛ وثّقته اليونيسف قبل أسابيع، وأعاد الملك ذكره اليوم أمام القاعة نفسها التي وقّعت على وقف إطلاق النار ذاك، وصفّقت له، ثم عادت إلى شاشاتها!
والأخطر من الرقم نفسه هو اللغة التي حمله الملك بها. فقد تجاوز خطاب اليوم، بدقة لافتة، مفردات الدبلوماسية المعتادة إلى مفردات القانون. وصف الملك ما يجري في غزة بأنه محاولة لمحو الوجود الفلسطيني وفرض واقع جديد على الأرض. وما يجري في الضفة الغربية ليس مجرد تصعيد، بل تحوّل جذري: هدم البيوت لتوسيع المستوطنات «ترحيل قسري»، والاستيلاء على الأراضي «ضم فعلي»، ومنظومة الحواجز «بنية قمعية» لا أمنية. ثلاث جمل قصيرة، وثلاثة مصطلحات قانونية محددة بدل ثلاث عبارات دبلوماسية فضفاضة كانت لتمر دون أن يلتفت إليها أحد. ثم وصف النتيجة كاملة بمصطلح واحد لا لبس فيه: تهجير قسري، وجريمة حرب.
هذه اللغة نفسها هي الحبر الذي تحدث عنه الملك في الفقرة الأخطر من الخطاب: العالم يملك أدوات فعلية، عقوبات وتجميد أصول وحظر وعزل دبلوماسي، ولديه سجل حافل باستخدامها في قضايا أخرى غير هذه القضية بالذات. لكن حين يتعلق الأمر بإسرائيل تحديدا، تبقى القرارات، كما قالها الملك بلا تجميل، حبرا على ورق.
حبر على ورق، بينما الطفل في الحاضنة المزدحمة يحتاج دما لا حبرا!
ثمة فخ حذّر منه الخطاب نفسه ضمنا، دون أن يسمّيه بهذا الاسم: أن يتحول تصعيد الكلمات إلى بديل عن تصعيد الموقف. فاللغة اليوم أوضح بما لا يقاس من لغة الأعوام الماضية؛ لكن المستوطنات توسعت هذا العام أسرع من أي عام سابق، والحواجز ازدادت، والبيوت التي هُدمت لم تُبنَ من جديد لمجرد أن كلمة «ترحيل قسري» استُخدمت بدل «تسجيل أراضٍ». إن لم يتبع تصعيد اللغة تصعيد فعلي مواز، يصبح الحبر الجديد الأوضح مجرد نسخة أكثر دقة من الحبر القديم؛ يقول الحقيقة بصوت أعلى، دون أن يغيّر شيئا واحدا في الحاضنة المزدحمة.
والملك، وهو يتحدث عن غزة والضفة، لم يفصلهما عن الإقليم كله، ولا عن الأردن تحديدا. فحين انتقل إلى جنوب سوريا والتوغلات الإسرائيلية هناك، لم يعد الحديث عن مسافة آمنة يراقبها الأردن من بعيد؛ قال بوضوح إن أي تهديد للحدود الشمالية أو للأمن المائي هو تهديد للأمن القومي الأردني نفسه، وإن المملكة لن تشيح بنظرها، بل ستحمي أمنها ومياهها ومصالح شعبها. هذه لغة دولة ترى الخط الأحمر يقترب من عتبتها هي، لا من عتبة جارتها فقط، لا لغة الخطابات المعتادة عن «القلق البالغ»!
وقد يسأل سائل: أليست هذه الاتهامات نفسها التي تُقال كل عام في القاعة نفسها؟ الفارق هذا العام أن الملك لم يترك «الوهم» الذي بُني عليه العقد الماضي بلا اسم: وهم أن الدول العربية لم تسعَ يوما للسلام. فذكّر القاعة بأن مبادرة السلام العربية لعام 2002 عرضت على إسرائيل تطبيعا كاملا مع سبع وخمسين دولة عربية وإسلامية، من بينها إيران والعراق حينها، مقابل قيام الدولة الفلسطينية. بقي العرض مفتوحا أكثر من عشرين عاما، وبقيت العقبة، بحسب كلمات الملك ذاتها، «لم تكن يوما غياب شريك من أجل تحقيق السلام، بل عدم وجود حكومة إسرائيلية مستعدة لقبوله».
عشرون عاما من عرض لم يُسحب، مقابل ثلاثمئة يوم قُتل خلالها ثلاثمئة طفل!
وحين وصل الملك إلى غزة والضفة معا، رفض وهما ثانيا: أنهما قصتان منفصلتان. قال إنهما وجهان لاستراتيجية واحدة، تدمير في غزة وضم فعلي في الضفة، بهدف واحد لا يتغير: جعل قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة أمرا مستحيلا فعليا، لا مؤجلا فحسب.
المندوب في الصف الخلفي، في مكان ما من تلك القاعة، رفع رأسه أخيرا حين سمع كلمة «جريمة حرب» بصوت واضح لا يحتاج ترجمة. نظر لحظة، ثم عاد إلى شاشته. هذه هي المعضلة التي وضعها الخطاب أمام العالم كله، لا أمام هذا المندوب وحده: أن يكون الانتباه، في زمن أصبحت فيه ثانية الاهتمام محسوبة بالثانية، هو المورد الوحيد الذي ما زال بإمكان الجميع أن يمنحوه، والوحيد أيضا الذي يرفض معظمهم أن يمنحوه لأكثر من سبع وأربعين ثانية.
ترك الملك القاعة معلّقة أمام سؤال واحد لا يملك هو نفسه جوابه بعد. الحقيقة قيلت اليوم بوضوح نادر؛ فكم من الوقت يحتاج العالم هذه المرة ليحوّل الحبر إلى شيء آخر غير الورق، قبل أن يُكتب رقم اليوم الثلاثمئة وواحد؟!
عماد داود



