لم تكن كلمة جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة خطابا دبلوماسيا تقليديا، ولا مجرد تكرار للمواقف الأردنية المعروفة تجاه القضية الفلسطينية وأزمات المنطقة. كانت، في جوهرها، رسالة سياسية شديدة الوضوح إلى عالم اعتاد إدارة الأزمات بدلا من إنهائها: انتبهوا قبل أن يصبح ما تتجاهلونه اليوم واقعا لا يمكن تغييره غدا.
منذ الجملة الأولى، اختار الملك أن يضع إصبعه على واحدة من أخطر مشكلات العصر: العالم لم يعد يعاني من نقص المعلومات، بل من أزمة في القدرة على الحفاظ على الانتباه.
وهنا تكمن المفارقة التي بنى عليها الملك خطابه؛ فالأزمات لا تختفي عندما تتراجع من شاشات العالم، والضحايا لا يتوقفون عن المعاناة عندما تنطفئ الكاميرات.
بل إن ما يفقد العالم اهتمامه به قد يكون تحديدا هو ما يتشكل في الخفاء ليصبح أزمة أكبر.
الملك يقلب المعادلة: ما نتجاهله اليوم يصنع عالم الغد
اختيار "الانتباه" مدخلا للخطاب لم يكن تفصيلا بلاغيا.
الملك حوّل مفهوما يبدو اجتماعيا وتقنيا إلى مفهوم سياسي، عندما أكد أن انتباه العالم أصبح موردا جيوسياسيا، وأن ما يختار المجتمع الدولي التركيز عليه يحدد النزاعات التي تحصل على الدبلوماسية والضغط السياسي، وتلك التي تترك لمصيرها.
والرسالة هنا مباشرة: المجتمع الدولي لا يستطيع أن يدعي أنه فوجئ بالأزمات التي تتفاقم أمامه، إذا كان قد اختار في وقت سابق ألا يراها.
فالأزمات الاقتصادية، وانعدام الأمن الغذائي، والنزاعات، وتغير المناخ، لم تظهر فجأة، وكذلك القضية الفلسطينية التي قال الملك إن العالم حذر من مخاطر تركها بلا حل على مدى عقود.
لكن بدلا من معالجة أصل المشكلة، اختار المجتمع الدولي، وفق قراءة الملك، إدارة الصراع واحتواءه.
والنتيجة أن "المؤقت" تحول إلى دائم، والاستثناء أصبح قاعدة.
غزة.. الملك يرفض اللغة الرمادية
في القضية الفلسطينية، بدا خطاب الملك أكثر مباشرة من اللغة الدبلوماسية التقليدية.
فبدلا من الاكتفاء بالتعبير عن القلق أو الدعوة إلى ضبط النفس، طالب جلالة الملك بتسمية الأشياء بأسمائها.
في غزة، لم يعد ممكنا، بحسب الخطاب، التعامل مع ما يحدث باعتباره مجرد "تدابير عسكرية مؤقتة" أو نتائج جانبية للحرب.
الملك وصف ما يجري بأنه محاولة لمحو الوجود الفلسطيني وفرض واقع جديد في غزة.
وهذه العبارة تحديدا تحمل دلالة سياسية كبيرة؛ لأنها تنقل الخطاب من توصيف نتائج الحرب إلى الحديث عن طبيعة المسار الذي يجري على الأرض.
وفي الضفة الغربية، كان الخطاب أكثر تفصيلا، إذ ربط بين الاستيطان ومصادرة الأراضي وعنف المستوطنين وتهجير الفلسطينيين، مؤكدا أن ما يجري ليس مجموعة حوادث منفصلة، وإنما ممارسات مترابطة.
وبعبارة أخرى، فإن القراءة التي قدمها الملك تقوم على أن غزة والضفة الغربية ليستا ملفين منفصلين، وإنما مساران متصلان ضمن واقع فلسطيني واحد.
أخطر ما في الخطاب.. الحديث عن اليوم التالي
ربما لا تكمن أخطر رسائل خطاب الملك في توصيف الوضع الحالي فحسب، وإنما في التحذير مما قد ينتج عنه.
فالملك حذر من أن استمرار فرض الوقائع على الأرض لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يضعف فكرة الدولة الفلسطينية القابلة للحياة، ويطرح أسئلة أكبر حول قدرة المجتمع الدولي على حماية القانون الدولي عندما يتم تجاهل انتهاكاته لسنوات.
وهنا تتجاوز القضية حدود فلسطين لتصل إلى النظام الدولي نفسه.
فإذا أصبحت القرارات الدولية غير قادرة على إحداث أثر فعلي، وإذا تحولت الانتهاكات المتكررة إلى أمر معتاد، فإن السؤال الذي يطرحه الخطاب يتجاوز الصراع الحالي: ما الذي يبقى من قيمة القانون الدولي إذا لم يكن قابلا للتطبيق؟
الأردن يحدد خطوطه الحمراء
لكن النقطة الأكثر ارتباطا بالأردن جاءت عندما انتقل جلالة الملك من توصيف المخاطر الإقليمية إلى تحديد ما يعنيه ذلك للمملكة.
الرسالة كانت صريحة:
أي تهديد للحدود الشمالية للأردن أو للأمن المائي هو تهديد للأمن القومي الأردني.
ولم يكتف الملك بهذا التوصيف، بل أتبع ذلك بتأكيد أن الأردن لن يشيح بنظره، وأنه سيحمي أمنه ومياهه ومصالح شعبه.
هذه ليست لغة دبلوماسية عابرة.
ففي ظل حديث الملك عن التطورات في جنوب سوريا، والتوغلات الإسرائيلية وفرض حقائق جديدة على الأرض، فإن الرسالة الأردنية تصبح أكثر وضوحا: الأردن يتابع ما يجري حول حدوده، ويدرك أن بعض التطورات الإقليمية قد تتحول من أحداث خارجية إلى قضايا تمس الأمن الوطني مباشرة.
وهنا يظهر أحد أبرز التحولات في الخطاب: الأردن لا يكتفي بالتحذير من تداعيات الإقليم، بل يحدد مسبقا ما يعتبره مساسا مباشرا بمصالحه.
الدبلوماسية الأردنية ليست مساحة للتنازل
ومن اللافت أن الملك حرص، في الوقت نفسه، على توضيح طبيعة السياسة الأردنية.
الأردن متمسك بالدبلوماسية، وملتزم بالسلام العادل، ويدعم الشعب الفلسطيني والأونروا، ويتمسك بالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
لكن الملك وضع جملة فاصلة في هذا السياق:
"تمسكنا بالدبلوماسية لا يعلو على التزامنا بالقيم الإنسانية، ولا ينبغي لأحد اعتباره أمرا مسلما به، أو إساءة تقديره على أنه ضعف."
وهذه واحدة من أكثر الرسائل وضوحا في الخطاب تجاه طريقة فهم الدور الأردني.
فالدبلوماسية، وفق هذا الطرح، ليست مرادفا للصمت، والانفتاح على الحوار لا يعني التخلي عن المصالح، والتمسك بالسلام لا يعني قبول الأمر الواقع.
الأردن لا يريد أن يكون مجرد متلق لتداعيات المنطقة
في جانب آخر، حاول الخطاب تقديم صورة مختلفة للأردن وسط إقليم مثقل بالحروب.
فالمملكة، كما عرضها الملك، لا تعمل على مسار واحد.
هي تواجه الإرهاب وتهريب المخدرات، وتطور قدراتها الدفاعية، وتدعم القضايا الإنسانية، وتحمي المقدسات، وفي الوقت ذاته تسعى إلى تعزيز روابطها التجارية والصناعية والتكنولوجية.
هذه الرسالة مهمة لأنها تنقل صورة الأردن من دولة تتعامل مع أزمات محيطها إلى دولة تحاول صناعة مساحة خاصة بها وسط هذه الأزمات.
الأردن، بحسب الخطاب، لا يستطيع اختيار توقيت الأزمات من حوله، لكنه يستطيع اختيار طريقة التعامل معها.
الرسالة الأخيرة: العالم أمام اختبار وليس أمام نقص في الأدوات
في نهاية المطاف، يمكن اختزال كلمة جلالة الملك في سؤال واحد: هل المشكلة أن العالم لا يملك الأدوات، أم أنه لا يستخدمها عندما يجب استخدامها؟
الملك أشار بوضوح إلى وجود أدوات سياسية واقتصادية ودبلوماسية، من العقوبات وتجميد الأصول والحظر والعزل الدبلوماسي، لكنه تساءل عن سبب تحول القرارات المتعلقة بإسرائيل إلى ما وصفه بأنها "حبر على ورق".
ومن هنا يصبح جوهر الخطاب ليس فقط مطالبة العالم بالتحرك تجاه غزة أو الضفة، بل مساءلة منظومة كاملة من المعايير التي تحكم التعامل الدولي مع الأزمات.
فالعدالة، وفق الرسالة التي حملها الخطاب، لا يمكن أن تكون موسمية، والقانون لا يمكن أن يكون قابلا للتطبيق في أزمة وغير قابل للتطبيق في أخرى، والمبادئ لا يفترض أن تتغير بتغير مستوى اهتمام العالم.
الأردن يقول: سنحمي مصالحنا ولن نعتاد على الخطر
في المحصلة، جاءت كلمة جلالة الملك لتضع ثلاث رسائل متوازية أمام المجتمع الدولي.
الأولى: القضية الفلسطينية لا يمكن دفنها تحت إدارة الأزمة، وما يجري في غزة والضفة الغربية يحتاج إلى معالجة سياسية لجذور الصراع.
والثانية: الأردن لن يتعامل مع التهديدات التي تمس حدوده أو أمنه المائي باعتبارها تفاصيل في المشهد الإقليمي.
أما الثالثة، والأوسع، فهي أن العالم لا يستطيع أن يطلب الاستقرار بينما يسمح بتراكم الأزمات والانتهاكات التي تنتج مزيدا من عدم الاستقرار.
ولعل أقوى ما في خطاب الملك أنه لم يكتف بالسؤال عما يفعله العالم، بل وضع أمامه سؤالا أكثر إزعاجا:
ماذا لو كان الخطر الحقيقي ليس فيما نراه اليوم، بل فيما اخترنا ألا نراه؟
تلك هي خلاصة الرسالة.
فغزة ليست أزمة تنتهي بانتهاء التغطية الإعلامية، والضفة ليست ملفا منفصلا، وأمن الأردن ليس تفصيلا إقليميا، والدبلوماسية الأردنية ليست علامة تراجع.
وفي عالم تتغير فيه الأولويات بسرعة، يقول الأردن بوضوح: هناك قضايا لا يجوز أن تصبح رهينة للانتباه المؤقت، وهناك مصالح لا يمكن تأجيلها، وهناك حدود عندما تقترب منها المخاطر يصبح الصمت نفسه قرارا.



