*
الثلاثاء: 22 أيلول 2026
  • 22 أيلول 2026
  • 18:41
بين تحفيز الاقتصاد وحماية مدخرات العمال
الكاتب: عبدالسلام الطراونة

النقاش الذي دار بين مقترح الدكتور محمد الفرجات وتحذيرات الاستاذ موسى الصبيحي يمثل كلاسيكية الصراع في الاقتصاد السياسي محاولة تحريك عجلة الاقتصاد واستثمار الاصول العامة مقابل التحوط الصارم لحماية مدخرات الاجيال

هذا السجال حول تسوية مديونية الحكومة لصالح صندوق استثمار اموال الضمان الاجتماعي عبر مبادلتها باصول عقارية او صكوك ومشروعات تنموية يفتح الباب امام مراجعة دقيقة لملف مالي واكتواري بالغ الحساسية

ورغم ان الفكرة قد تبدو في ظاهرها مخرجا ذكيا لتخفيف عبء المديونية العامة على الورق وتحريك عجلة التنمية الا ان تفكيكها بلغة الارقام يكشف عن مخاطر هيكلية لا تحتمل المجازفة

الخلل الاول في هذا الطرح يظهر عند قراءة تركيبة المحفظة الاستثمارية للضمان

تشير البيانات المالية الى ان موجودات الصندوق تقارب 19 مليار دينار تستحوذ محفظة السندات الحكومية وحدها على ما يزيد عن 10 مليارات دينار منها اي بنسبة تقارب 58 بالمئة من اجمالي الموجودات

هذه النسبة تعني ان السندات تشكل صمام الامان لتدفقات الصندوق النقدية حيث تدر عائدا لا يتجاوز خمسة ونصف بالمئة سنويا وتسهم بنحو 500 الى 550 مليون دينار كدخل نقدي مباشر ومضمون التدفق وبكلفة تشغيلية تقارب الصفر

التنازل عن هذا العائد النقدي السنوي الثابت واستبداله باصول عقارية او حصص مشاريع يهدد بتجفيف شرايين السيولة النقدية التي يعتمد عليها الضمان للوفاء بالتزاماته الشهرية

من المنظور الاكتواري فان التزامات المؤسسة دخلت مرحلة العد التنازلي

فاتورة الرواتب التقاعدية الشهرية تتجاوز حاليا 140 مليون دينار اي ما يزيد عن 1.7 مليار دينار سنويا يدفع القسم الاكبر منها لمتقاعدي المبكر الذين يستحوذون على قرابة ستين بالمئة من اجمالي الفاتورة

والدراسات الاكتوارية تحذر بوضوح من ان نقطة التعادل الاولى ستحل بحلول عام 2030 حيث ستتساوى الاشتراكات التامينية مع النفقات التقاعدية ليصبح الصندوق معتمدا بصورة كاملة على العوائد النقدية لاستثماراته لسد فجوة الصرف الجاري

وفي ظل هذه الحقيقة فان استبدال ادوات دين مضمونة التدفق باصول عقارية خاملة لا يتجاوز عائدها التاجيري الفعلي حاليا ثلاثة ونصف بالمئة يمثل تسريعا خطيرا لبلوغ نقطة التعادل الثانية واستنزاف الموجودات

المعضلة الاخرى تكمن في قدرة السوق المحلي على استيعاب تسييل هذه الاصول وكلفة ادارتها

الصندوق يمتلك بالفعل محفظة عقارية تقارب قيمتها 900 مليون دينار يعاني جزء منها من تدني العائد التاجيري ومحدودية الفرص التسويقية وارتفاع كلف الصيانة والتشغيل

فاذا احتاج الصندوق الى سيولة نقدية عاجلة بعد عام 2030 لسداد رواتب المتقاعدين فان تسييل عقارات بمليارات الدنانير في سوق محلي محدود العمق سيفرض البيع بخصم قسري فادح يبتلع جزءا كبيرا من قيمتها الدفترية كما ان تحويل الصندوق الى مدير تشغيلي لشركات ومشاريع يخرجه عن نطاق دوره الاستثماري الرصين

ان تحفيز النمو الاقتصادي ومواجهة عجز الموازنة مسؤولية اصيلة للمالية العامة بادواتها التقليدية

ولا يجوز بحال من الاحوال نقل عبء مديونية تتجاوز 10 مليارات دينار تشكل اكثر من ربع الدين العام الى كاهل المشتركين عبر تجارب مبادلة اصول تفتقر الى السيولة واليات التسعير العادلة

ان حماية التدفقات النقدية السنوية للصندوق وضمان استقلالية قراره الاستثماري وفق المعايير الاكتوارية الصارمة هما خط الدفاع الاخير لحماية مستقبل اموال الطبقة العاملة وصمام الامان للاستقرار الاجتماعي في المملكة

عبدالسلام صالح الطراونة

مواضيع قد تعجبك